الثلاثاء، 16 فبراير 2021

تسييس الغناء

 

لي فترة أعيش حالة من اعتذار مُقنع لأم كلثوم، فبطول عمري لا اعتبرها الصوت المُعبر عني؛ إذا ما قورنت بالملائكية فيروز. وحتى هذا المعنى المُتجه لمحبة جارة القمر - في الفترة الأخيرة-  شعرت كم بات مبتذلا، فلست أدري كيف حدث ذلك الربط المريب بين صوتها وما يشير للنخبة، أو ربط الرغبة لسماعها بالشخصية المثقفة. وكأن من لا يسمعها، أو يطرب لغنائها هو واحد من عوام الناس أو الرعاع.

 

أحيانا أذهب لتفسير هذه الحمى التي سعت في مطلع السبعينات لتدشين عفاف راضي كبديل لصوت أم كلثوم، وقد يندهش من يعيش تفاصيل هذا المعنى، فلم يكن هناك صوت نسائي جامع للعرب أكبر من صوت أم كلثوم من جهة، وفيروز تتحسس في الثلث الأخير من الخمسينات خطواتها من جهة أخرى. فرغم زخم الأصوات، لكن ظل الغالب عليهن جميعا معنى الصوت المحلي بشكل أو بآخر.

 

تقدَّم العمر بكوكب الشرق، وفي سنوات عمرها الأخيرة تم استهلاكها في حفلات المجهود الحربي بعد نكسة 5 يونيو، وعلى الضفة الأخرى كانت فيروز والرحابنة يؤسسون لخلودهم كظاهرة فنية تستحق الدرس والتأمل. وعلى حسابات الدور الريادي المصري وفاعليته، تم انتخاب "عفاف راضي" والدفع بها للمنافسة كصوت ينحدر من نفس الطبيعة الفيروزية أو يكاد؛ للإبقاء على وجود صوت مصري مؤثر ينجز ما كانت تنجزه أم كلثوم كحالة فنية أجتمع عليها العرب لفترة طويلة.  لكن دوافع "الرحابنة" في ظني لم تكن بأي حال منافسة أم كلثوم أو مصر من ورائها. بقدر ما كان طموحهم يتجه لضرب منظومة الزمن نفسه، الزمن الذي لم تعد ظروفه تتحمل الحالة الكلثومية، وما تطرحه من عواطف جعلت من تفاصيل الحياة بعيدا عن عاطفة الحب وكأنها مُهمشة إلى حد بعيد. وهنا أذكر مقولة أخي الخالدة في معرض انصرافه عن كوكب الشرق، واللجوء طوعا لصوت فيروز: أكره السلطوية وأحادية الرؤية التي تطرحها أم كلثوم.. مرَّة من خلال صوتها المبهر فعلا، ومرَّة من خلال التصورات التي تضعها أغانيها لعاطفة الحب نفسها. لدرجة أن أسمع واحدا من عشاقها يقول: أم كلثوم هي التي علمتنا الحب!!

 

أعترف إن محبة فيروز من الأشياء القليلة التي لم أشأ التمرد فيها على اختيارات أخي الكبير. وإن كنت في ركن خفي من حياتي، أدركت أن أم كلثوم هي حالة أكبر منها، حتى مع الاعتراف بكاريزما صوتها الخاص والاستثنائي. للدرجة أن يقول"عبد الوهاب" أهم موسيقي عرفه القرن العشرون: أم كلثوم رفعت بصوتها وأدائها أخلاقيات المهنة. وتقول رتيبة الحفني في مقارنة بين أسمهان وأم كلثوم: الفرق بينهما أن الأولى تتسلى بالغناء والأخرى تمتهن الغناء. في إشارة جدا مهمة للاحترافية المتطرفة.

 

أزعم أن فيروز قد التقت بالرحابنة، وخاصة "عاصي" لتصنيع الحالة الموازية لحالة أم كلثوم، أو إذا جاز التعبير نستعيض بالحالة لمعنى مأسسة الصوت. لكن كان الهدف الرئيس الذي سعى له هذا الفريق هو تأسيس اتجاها آخر للغناء. منطقة جديدة، تستطيع منحك أغنية طربية بامتياز، وفي أقل وقت ممكن، مع التواصل بالكلمة المغناة لمواضيع وأفكار لم تكن الأغنية الكلثومية مهمومة بإدراكها. على كل الأحوال ظلت عفاف راضي في مكانها اللائق بإمكانياتها، بينما ظلت أم كلثوم وفيروز من بعدها كحالتين أو فصلين مهمين من فصول كتاب الطرب العظيم الذي يُصلح لدارسي الفن كإشارات مهمة للبحث في الغناء كظاهرة ثقافية مكتملة الأركان. أو لنقلها بوضوح: تسييس الغناء!     

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

أحمد الشمسي.. مبروك للعامية

لم أتعود خذلان من يراهن على فرحتي حيال نجاح حققه. وبالفعل أنا من أولئك الذين يحتاجون أن يلمسوا شيئا من فرحة؛ لأن معنى الفرح في حياتي شحيح جدا. لذا أتمنى بالصدق أن يفرح كل من أحبهم، وهو منهم ولاشك.  

يوم التقيت به في ليل إسكندرية كان الطقس شتويا إلى درجة. يقينا لم أشبع من الجلسة، ولم أسمع منه شعرا كثيرا، وإن كنت شعرت بشيء مختلف؛ وصفته وقتها بالشاعرية الخجولة. صوته هادئ، والشعر عنده عفوي إلى درجة كاشفة عن موهبة حقيقية، تبحث لنفسها عن موضع قدم في ساحة يغلب عليها الزحام الرهيب.

قلت إن آفة البحث عن نموذج يمكن الكتابة من خلاله هي أزمة هذا الجيل، لكنه على الواضح قد عانى كثيرا كي يختلف، ويكتب صوته الخاص والمنفرد. لذا إذا كان الشعر هو موقف أصيل من العالم يعبر عن مفهوم الهم الخاص للشاعر، فإن صوت أحمد الشمسي في ظني صوت أصيل، وعلى المدى المنظور سوف يتبلور في كتابة مهمة. لذا ولأني بعيد ولا أملك النية الحاضرة للاقتراب مجددا من الشعر وأهله، سأهديه هنا معنى المباركة لفوزه في القائمة الطويلة لجائزة ساويرس التي أحسبه قد دخلها بجدارة اختلافه، وشاعريته التي تتجلي في إبداع حقيقي. ولكم أتمنى أن أكون حيا لأشهد نجاحاته القادمة.     

 

الأحد، 29 نوفمبر 2020

مارادونا.. موت المتعة !!

عندما تموت ظاهرة استثنائية تنتمي لجيلي، أشعر وكأن جزء من عمري قد مات. بالأمس فقدت كرة القدم واحدا من أهم ظواهرها. وليس مجرد لاعب داعبت قدماه  يوما كرة كانت قبل أن يلمسها مجرد شيء مفرط في التفاهة.

أتذكر هذا اليوم جيدا وهذا العام، انتهيت وقتها من امتحانات دور مايو، وللأسف كنت أمتلك لأول وآخر مرة في حياتي طموحا واضحا أن أصير أستاذا للقانون لأن الالتحاق بسلك القضاء ليس مسموحا لمن هم منتمون لطبقتي الاجتماعية التي لا تعرف سوى الموظفين العاديين حد التسول.

كان عام 84 كرجل شغوف بكرة القدم هو عام ميشيل بلاتيني؛ يوم فازت فرنسا بالأمم الأوربية لأول مرة في تاريخها. وقبلها بعامين بمونديال أسبانيا عرفنا اللاعب السجين باولو روسي هداف البطولة آنذاك. وأقول على سبيل الجملة الاعتراضية واستنادا لذاك الشغف: إن ظهور مارادونا قد تأخر كثيرا فلقد كان من جملة الفريق الذي فاز بمونديال 78 لكن سيزار مينوتي وقتها ولأسباب غير مفهومة لم يدفع به. ونفس الأمر في مونديال أسبانيا الذي كان مقاما لإيطاليا التي أبدعت فيه، وخاصة بعد مباريات الدور الأول الذي تجاوزته بصعوبة وبثلاثة تعادلات غريبة.         

في 86 أستطيع القول أن من فاز بكأس العالم هو مارادونا والذي أهدى الكأس بدوره لبلاده. كانت بطولته المتفردة بكل ما تحمل الكلمة من معنى الخصوصية، بل أزعم أن هذه البطولة هي آخر ما شاهدناه من تفاصيل المتعة التي افتقدتها مع الوقت كرة القدم حتى ظهر "ميسي" الأسطورة الأرجنتينية الباقية. 

كنت أشعر عند مشاهدة مارادونا بما يشير لكراهية الغوغاء للمتعة، أو صدام الفن بجمهرة الرعاع. فكم العنف الذي مورس ضده كان لافتا جدا وأحسبه لم يتكرر مع لاعب بمثل هذه القسوة الغير مبررة. وأحسب أن الزمن اللاحق لمارادونا قد انتصر للمواهب وحماها من العنف إلى درجة لم يكن الرجل ليحصل عليها وقت كان يلعب ويبدع.

كان عقد الثمانينات في بداياته قد شهد حرب "الفوكلاند" التي نشبت وقتها بين بريطانيا حول جزر تدَّعي الأرجنتين إنها جزء من أراضيها. لذا كان الناس من المثقفين سياسيا ينتظرون شكل اللقاء المزمع بين مارادونا ومنتخب الأسود الثلاثة ممثل انجلترا التي اغتصبت الجزر الأرجنتينية في زمن الاستعمار البغيض. وشهد اللقاء هدفان لمارادونا يحتفلان بأعلى قدر ممكن من الطرافة والإبداع. حتى وإن كان واحدا منهما قد أحرزه مارادونا بيده. ويومها برر ما حدث بدعابة صارخة.. إنها يد الله. بينما كان هدفه الثاني هو التعبير الفعلي للقوة والفن والإصرار الذي كان غريبا على لاعب لاتيني سينتصر للفن قبل أن ينتصر للقوة. لا أدري إن كان الغل المترسب من صراع الدولتين السياسي قبل الصراع الكروي هو من دفع به أن يبدع هذا الإبداع الاستثنائي . لكن أذكر أن في مباراة بلجيكا قد أحرز مارادونا هدفا يقترب من هدف انجلترا في الحارس العملاق "بفاف" هنا تدرك أن كرة القدم تنتمي لكاريزما تنتمي لموهبة جدا استثنائية. لذا حين يموت من هم على شاكلة مارادونا يتحول الموت إلى حدث جلل فعلا، وليس مجرد موت مجاني لشخص عادي.             

ربما أعاد موت مارادونا للواجهة هذه الإشكالية المعقدة فعلا. السلوك الإبداعي ومدى ارتباطه بالسلوك الشخصي. في حقيقة الأمر ليست هي المرة الأولى التي تثار فيها قضية على ذلك النحو من التعقيد. فمنذ "رامبو" شاعر الفرنسية الأشهر والمسألة مؤرقة فعلا. إننا نتعامل مع بشر ولاشك فلماذا ننشغل بنقائص نفوسهم التي تمنعنا حسن التواصل مع إبداعهم. ولاسيما أن مارادونا في حالتنا له من الحضور ما جعلنا نندهش من تصرفاته خارج الملعب ولكننا يقينا لا نكرهه. بل إن محبتنا لكرة القدم مع وجود مواهب على غرار الرجل هي التي من شأنها أن ترفع معدلات حبنا لهذه اللعبة. ويكفي أن الرجل قد صار حالة أو وصفا لكل تفرد قد نراه يوما ممن يمارسون هذه اللعبة كأن نقول لعبة مارادونية أو هدف مارادوني في إشارة واضحة لكون الرجل كان استثنائيا فعلا.  

 

الأحد، 16 أغسطس 2020

روب كل سنة وأنت طيب

 

عزيزي روب


دائما ما أتذكر هذا اليوم؛ كي لا أظلمك في تقييمي، كون تراثك السينمائي في معظمة تجاري حد الصدمة. كنت مراهقا وقتها وفي واحدة من دور السينما المتواضعة في الإسكندرية، مدينتي الأغلى. هذه اللؤلؤة التي جلس على واحدة من مقاهيها "مارتي"* ولم يعرفه أحد، رغم إنها مقهى للمثقفين حسبما أفهم. كنت أنا المراهق الشغوف بالسينما قابعا في صالة العرض، أشاهدك عائدا من حرب فيتنام ويبدو أن تفاصيل هذه الحرب قد دفعت بك أن تعود من هناك لتكو Driver ن Taxiالذي رفض في حسم أن يقود نهارا لأنه لن يتحمل ضجيج نيويورك فآثر أن يقود ليلا، وحينئذ أكتشف عبثية الحرب التي لم تكن سوى لبسط الصولجان الأمريكي على الكون. فالليل كان مسرحا متسعا للجريمة والدعارة والانحلال النوعي الذي ضرب كل شيء.

عامان أو يكاد  وشاهدتك مولعا بصيد الغزلان The Deer Hunter. كان الفيلم ضاغطا جدا، لم أفهم أين هي الأزمة التي تجعل من حرب فيتنام أمرا ملحا لهذا الطرح الهوليودي. لكن يومها لم أهتم، لكن خرجت بذكرى وجه "ميريل ستريب" الملائكي، وهي تدعوك للرحيل لهناك؛ كي تأتي لها بحبيبها.

أتذكر كيف كان ردَّك حين سألك "مو" البدين ماذا كنت تفعل طيلة الثلاثين عاما التي خلت فقلت في لهجة اليائس: أنام مبكرا. فعلمت ماذا حدث ذات يوم في أمريكا. أعجبني إخلاصك لـ"روبرت ميتشوم" حين أعدت تمثيل فيلمه الانتقامي الأشهر Cape Fear  خليج الخوف. فنجحت أن تجعلني أكرهك حد النفور.

تطاول العمر يا "روب" وأعدت مشاهدتك. لكن كنت حريصا أن أراك فيما هو أبعد من الأكشن الذي لا أحبه عادة.  فتوقفت كثيرا عند the king of comedy فأدركت عبقريتك الفذة حين اختلط في يقيني الضحك بالبكاء. ولم ألمس قدر رومانسيتك وأنت تتأخر عن موعد"ميريل ستريب في falling in love ولمست العظمة في أبهى تجلياتها awakenings مع القدير روبين ويليامز. وهو يتصدى لعلاج توحدك.  لا يضرك ما سقط من تفاصيل الرحلة. لا لشيء، ولكن لأنك أخلصت لهذه المهنة. أحتاج وجودك كدليل حي على شبابي الذي ولى. يوم كنت قادرا أن أذهب للسينما دون أن أفكر في شيء غير استجلاب المتعة. لأني الآن صرت عاجزا أن أفكر في شيء أبعد من تصور عظيم الشجن والألم أن يأتي اليوم فلا أجدك في هذه الحياة سواء أنت أو القريب "باتشينو" لذا دائما أبتهج حين تعملان معا. أستمتع بحياتك يا رجل، وعدني إنك لن ترحل قبلي. وكل عام وأنت الشرير الجميل والإنسان النادر.

............

* مارتي= مارتين سكورسيزي

 

 

  

الاثنين، 15 يوليو 2019

جسر الآلام

ليس ضربا من وعظ، أو مبالغة في التدين، لكن أزعم أن تجربة المرض، هي التجربة الأكثر صوفية، إذا ما قورنت برجل منقطع للتأمل والعبادة. فمناجاة الله مع حضور الألم مناجاة خالصة، لا يخالطها ريبة أو أدعاء، ولا يضاهيها أي إخلاص آخر لكونها قادمة من أعمق ما في القلب من أمل ورجاء.

من زاوية أخرى، يحدث للمريض ما يشبه التجلي، فالله هنا أقرب بكثير مما يعتقد الأصحاء، الذين مازالوا على حال القطيعة. هنالك لا يبدو السقيم مُخلصا لشيء، أكثر من إخلاصه للشفاء، وحتى جدلية الموت والحياة، لم تعد هي القضية المركزية التي تشغله، بل إن زوال الألم والأرق مقدم على ما عداه، وكيف لا، والنوم قد صار كالكنز المخبوء الذي لن يعلن عن نفسه إلا بتدخل مُعجز من الله سبحانه؛ كي تنتهي كل الآلام.

في جزء من هذا الحديث القدسي المُبهر في بنائه اللغوي. يقول الكبير المتعال:  يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين. قال: ألم تعلم أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت إنك لو عدته، لوجدتني عنده.

إن هذا الوجود في يقيني ليس وجودا طيفيا بأي حال، إن هو إلا وجود حقيقي بالقوة والفعل. بل قد يكون ذاك الوجود هو الخالق لحالة السكينة والرضا التي تكسو حال المريض وسمته والذي قد يتناقض مع ما هو معروف سلفا من محبته للحياة والتكالب عليها. ففي تجارب مرضية تتسم بالقسوة، تبدو عين المريض قريرة كزاهد. أو حكيم قد خبر الدنيا، وأدرك منها ما يشير لتفاهتها وعبثيتها، وانعدام جدواها، وضلال مسعاها. 

قد يظن المرء أن الحياة والموت قد وصلا للمنحنى الصفري، متساويان في القيمة، والحقيقة أن الموت لن يكون مجرد نهاية حتمية ينفذها القدر بإحكام، بل هو العلاج الناجع والحاسم؛ كي ينتهي كل هذا الألم. ورغم قسوة المعنى الذي صاغه المتنبي من ألف عام..
كفي بك داءً أن ترى الموت شافيا     وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا

هنا أعلن المتنبي في إيجاز.. أن أصعب الأسقام، هي التي لا علاج لها غير الموت، حينها يتحول الموت لأمنية غالية. وأذكر هنا أن تحدثت لأبي في أيامه الأخيرة عن الموت كعدو لا يمكن منازلته. فضحك وسخر مني، وسألني في لهجة المستنكر.. أين أمي وأبي وأخي؟ أنا لست جزعا من الموت، ولكن لا أريد أن أراه شاخصا في عيونكم، تطلبونه لي؛ لكي أرتاح. فهذا المعنى لا يمكن أن أتحمله. لا أدعي أن أبي قد قرأ بيت المتنبي. فالرجل على ما بدا من حديثه بعد ذلك قال: أريد أن أنام، فلا أقوم من النوم إذا ما قُدر لي الموت، وأتمناه في هدوء.

في حقيقة الأمر، إن تصوراتي عن الألم، تشبه تصورات سيدنا إبراهيم عن الله يوم كان يبحث عن هذا الرب في تأملاته كل ليلة.  فيوم أصبت بقرحة المعدة، كان ألمها شديدا جدا، فآمنت وقتها أن هذا هو أعظم الألم. لكن في عارض من وجع للكلى، قلت: محال، هذا هو الألم الأعظم. وحين عرفت نوبات المرارة، أدركت أن ألمها لا يضاهيه ألم. وحين راقبت آلام العامود الفقري، وتداعياتها على أخي.. قلت في السر: لا نسبة ولا تناسب، ولا معنى لأي قيمة تفسيرية للألم، فكل الألم عظيم، وما أضعف الإنسان!!

في هذه التجربة، تأكدت مزاعمي القديمة، أن الدنيا لم تُخلق لكي نحبها ونخلص في محبتها. فبأمر الله لآدم أن يهبط، أدركت الفطرة إنها قد انحدرت من عال إلى متدن. من سمو مُطهَّر إلى حقير مُدنَس. وإننا طالما لن نأكل الموت، بل فقط سنتذوقه{كل نفس ذائقة الموت} فلا أقل من أن نمضي في هدوء وسكينة، فالعراك على الدنيا مجاني وبلا جدوى. والتكالب من الناس على المال والمناصب، إن هي إلا محاولات بائسة لإدراك شيء من لعنة، تكمن في هذا المال وذاك المنصب، والذي هو في يقيني مجرد اختبارات قاسية للإرادة.

إن مجاورة إنسان في تجربة مرض على قدر متطرف من القسوة، هي اختبار جدا مهم للفطر السوية، التي تستطيع أن تعود لكي تضبط علاقتها مع الله، وللمعنى الذي خُلق الإنسان من أجله. فإذا كنا نتحرك في دنيا الله بأسباب الله، فلا أقل من أن نتحلى بقدر مقبول من إيمان، يجعل هذه التجارب تمر، وهي مشفوعة برضانا حيال أقدارنا التي انتخبت هذا الألم أو ذاك السقوط، لأننا يقينا لم نختر شيئا، وإنما اختير لنا، لأن طي هذا الألم رحمة لا يمكن لنا أن نتصور مقدارها أو حكمتها، فالمرض هو المطهر في كوميديا "دانتي" الإلهية من وجهة نظري، والذي سيجعلنا نلتحق بالأبدية، ونحن على براءتنا الأولى يوم هبطنا مع أبينا يحركنا التوجس من الأرض الجديدة، ويسكننا شوق باطني جارف - مهما بلغت معاصينا- أن نعود للفردوس المفقود، الذي هبطنا منه لمجرد أن أبانا قد نسي عهدا قد قطعه مع  الله.     




الجمعة، 30 مارس 2018

وطر الروح.. جماليات الأزمة.. لــــــــ وئام أبو شادي

(1)

وطر الروح.. لم يحمل العنوان اسماً غرائبياً، لكنه يكشف إلى حد بعيد وفقا لتأويلات(وطر) إنه المطلب والغاية والهدف والبغية التي تسعى لإدراكها الروح.
توقفت كثيرا عند إشكالية الاختيار، ولماذا لم تكن النفس بديلا عن الروح؟

أزعم أن النفس قد باتت في طور المصطلحات سيئة السمعة بالضرورة، وأذكر أن قرأت على لسان أم كلثوم في حوارها مع الصحفي المهم محمود عوض قالت:
إن نفسي هي أبغض كلمة إلى نفسي.
هنالك ظننت أن المطالب الإنسانية في حقيقتها ربما ترتبط بالروح التي لا تفنى، ولا يطرأ عليها من زوال. وكأن النفس لا تتسق بأي حال مع سرمدية الاحتياج الذي يليق بديمومة الروح حتى بعد الموت. وكأن طاقة الحاجة كامنة فينا، لا يعطلها الموت نفسه. وعلى ميزان التوفيق في اختيار العنوان أحسب الروح كبديل مشروع عن النفس قد يكون من سبيل المبالغة الدالة على شغف الإنسان الدائم لإدراك الأشياء والمعاني، كما إنه يحمل سمتا صوفيا يفسر الأشياء بردها لأصولها الغيبية.
   
"وطر الروح" أحسبها سيرة ذاتية للاوعي فصامي، يعترف طوعا في سرد بديع بمكامن المأساة وانعكاساتها على الآن، والقادم من تفاصيل درامية تخص الشخصية وتفاعلها اليومي مع عالمها.
ربما لم يحدث تحايل من الكاتبة كي تبدأ في السطر الأول الحكي من الداخل {أنا راغب داود}. بعد هذه العتبة وإلى النهاية فجَّرت الرواية العديد الإشارات، لعبة السرد، علاقة المتخيل بالواقعي، الإحالات النفسية ودوافعها. وعلى الجانب الأسلوبي لمسنا حساسية الأنا الساردة مع اللغة، والتواصل الشعري مع توصيف الأحداث، وبخاصة تحريك عناصر الحياة اللاواعية التي تحتاج للغة على هذا القدر من الشاعرية القادرة بدورها على انسيابية الحركة بين الواقع والمتخيل(إرهاصات لاوعي الشخصية).

"عشقي للشر من مستصغره إلى أكبره والذي كان يقطن كل نوافذي جعلني لا ألتفت إلى بصمة الله البديعة الوهابة لخلقتي أو استثمارها على أي نحو..وهكذا بقي وجه حاتم الذي كان يحمل روح العصافير عائقا بيني وبين سلامي الداخلي ليال طويلة.. تًبا لكل نظراته الرحيمة"

في حقيقة الأمر لا توجد سلطة للخطاب السردي تجعلنا نثق في ذاكرة الحكاء، فإذا كانت طبيعة الراوي العليم إنه يسيطر على كل تفاصيل الحكاية وشخوصها، فإن الراوي من الداخل ينقل بصورة فردية موقفه الخاص من العالم. قد لا يتورط في إنتاج أحكام قيمة، بيد أن أزمتنا مع هذا الشكل السردي في إشكالية التلقي، أو بالأحرى بلاغة أثر الأحداث المروية على محك الصدق، وهنا لن يجد القارئ أزمة في تلقي الحكاية، أو الطعن في كون هذه الشخصية والشخصيات المتحركة في عالمها لا تنتمي للواقع. دون التورط في محاكمة هذا النمط، الذي يُحاكم أصلا من خلال الذات الروائية.

"وطر الروح" في نظري لم تخترع تيمة أراها قد صارت متحققة كثيرا في روايات هذه الحقبة، وهنا أقصد حسابات المرآة، أو انتهاج كتابة تبتغي التعرية، والفضح والكشف لنماذج بشرية تستحق الرصد والتحليل. لكن هذا لم يحدث يقينا، بل ذهبت الرواية لما هو أبعد، لأننا يقينا أمام إشكالية متطرفة من التحليل النفسي الذي لا يعري بقدر ما يبحث فيما ورائيات السلوك، منظومة الدوافع، الاتجاهات وتكوينها، التعاطي المركب مع تفسير الشخصية لحركتها وحركة الآخرين.
هنا لا نقرأ مونولوجا دراميا. يشبه ما يحدث في المسرح حين ينبري البطل في حوار طويل يضيء به العرض، لكننا نقرأ أحداثا تقترب من كونها حديث أريكة، وكأن المريض يسرد ماضيه كي نلمس منطقة العقدة التي أنتجت هذا النمط المركب.

(2)

إن البنية السردية في هذا الإطار تخلق عالما مسكونا بالحيرة والتخبط، تتمركز فيه الأزمة؛ كي يأخذ كل واحدٍ من شخوص الأحداث نصيبه منها، فقد نلمس هذا الترابط الخفي بين الذوات في تشتتها وديمومة الشعور العارم بالبحث عن استقرار مستحيل. الغريب أن صوت الساردة هنا جزء لا يتجزأ من أصوات عديدة متشابكة ومتداخلة. لكن ما لم يجعلنا نشعر بفداحة هذا الطقس أن الزمن الروائي كان طبيعيا ومنطقيا ويتحرك في انسيابية تتسق مع مفهوم الزمن الطبيعي وليس الروائي في معناه. لذا رغم يقيننا في أزمة شخوص المتن، كنا نسير خلف الأحداث في تدفق لم يجعلنا نشعر ببشاعة الأزمة بشكل ضاغط، وكذلك لم نندفع لإنكارها.

للصدق حاولت أن أفسر ذلك الأمر فوجدت:
إن العودة للمفهوم الشائع للسرد الغنائي هو المسيطر على تقنية الكتابة، فالذات المركزية -عادة- لا تستطيع كسر الزمن الروائي، وهنا أعني قيمة الاستباق(التقدم في الزمن) والاسترجاع(العودة للماضي) أو الإيهام بالواقعية، أو على أقل اللجوء لتيار الوعي كأن نطلق لأنفسنا العنان كي نعلق على الكتل السردية التي تنطوي في دواخلها على مناطق ملبدة بأزمات نوعية مركبة أو تكاد. أو نكسر الزمن ونجمده ونختزله، لكن هنا لمسنا ببراعة عنصرا مهما من تيار الوعي وهو الاستغراق في التفاصيل واللغة في ثوب التطرف الجمالي، والحوارات المُرمزة الشديدة الإيحاء.  

إن التقاطع الأدبي في الخطاب السردي دراميا لا يمثل ركيزة أساسية لفكرة التصعيد التي ينبني عليها هذا النمط من السرد، بمعنى أن منطقية الأحداث أو تسلسلها في إحكام لا يعني بالضرورة تقديس الزمن في المعالجة الروائية، ولاسيما أن روح المونولوج ظلت للنهاية منطلقة من الصوت الواحد الذي أسس الحكاية من بدايتها. وأزعم أن اللغة هنا كانت تنتصر لكسر التوقع من خلال سياقات سردية تغنينا بشكل مؤقت عن شعورنا الطبيعي بالزمن الروائي الذي بدا في تدافعه غير محتفل باقتحام قدري لأحداث مباغتة قد تكون قادمة من زمن آخر وحيوات أخرى. رغم أن التأسيس المتوفر لشخصيات الرواية قد جاء من ماضٍ يتم سرده، وليس ماضيا يتم استدعائه كي يقتحم لحظة السرد الآنية. أو لنعيد صياغة الحقيقة السردية بطريقة أخرى أن نقول: إن الآن جاء من رحم ماضٍ سبق الإشارة إليه وبطريقة طبيعية للغاية. فالرواية لم تبدأ يقينا من الآن. وهذا التوجه قد ينفي حدوث ما يفاجئ القارئ حال تتبع مآل هذه الشخصيات. بل ويصادر على شكل النتائج التي لعب فيها الماضي دور المقدمات إذا جاز التعبير. هنالك يشعر القارئ وكأنه أمام سيرة ذاتية متوقعة  للراوي المركزي. لكن حتى هذا المعنى يمكن دحضه فالخطاب الذكوري مع حضور الساردة الرئيسية(سيدة) قد يؤجل هذا الظن، وإن كان يحيلنا - فرضا- لمعرفة يقينية تربط بين المبدعة والشخصية الرئيسية في روايتها. والرواية برمتها قد اتخذت سمت المحاكمة لهذا النمط. من زاوية أخرى فإن الإشارة في زمن مرتبك لنفوس على هذا القدر من التشتت ليس من دواع التشهير، بقدر ما هو نوع من إلقاء الضوء على عوار بعض النفوس وإن كانت الإشارات هنا أكثر تماسا مع دوافع هذا العوار وأسبابه. دون الوقوف كثيرا عند مشكل الارتباط العضوي بين الذات الساردة وشخوص الرواية.   

لاشك أن الإيهام بالواقعية في هذه الرواية قد يكون مردودا عليه. وخاصة أن النماذج البشرية التي تماس معها المتن الروائي لا تبدو غريبة بالكلية، فاليومي قد يمنحنا شخوصا على هذه الشاكلة، والظرفية الزمنية والمكانية ليست خارقة للعادة، فالرواية هنا هي الحياة. بيد أن المتن في إشاراته وإحالاته يدفعنا  لإدراك مساحة أخرى من الوعي المدروس الذي سبق عملية الخلق الفني، فعناصر التحليل للأزمات النفسية، ومشكل الدوافع، ومكامن العقدة التي تتبلور بدورها لحتمية ما، تدفع بالسلوك لمنطقة معينة، تكشف إلى حد بعيد أن الرواية هي في حد ذاتها هامش تفسيري لمتن آخر قد تم إخفائه(عالم النفس الغامض). وأن الأحداث المروية ليست كاشفة عن أزمة بقدر ما هي شواهد على أزمة أخرى أكبر وأعنف.  

"طلابها يشعرون دائما أنهم شعب الله المختار على هذا الكوكب.. يأكلون وسط رائحة الدمار، يشربون بكل هدوء أمام عفن الجثث لا يبالون لشيء.. و ُرغم أني اعتقدت
أني المادة الخام للشر أحادي الخلية.. إلا أنني أبدا لا تستدعيني معطياته المأخوذة من الدم"  

لكن ورغم كل هذا من الصعب بمكان أن نشير هنا أن "وئام أبو شادي" تمنحنا تصورا كليا للمجتمع، وبخاصة عند واقعية الأزمة، وأحسب أن الرواية -أي رواية- لا تبتغي إنتاج أحكام قيمة حيال واقع على هذا القدر من الارتباك.

في حقيقة الأمر ودون الرهان على كون الكاتبة(سيناريست) في الأساس. كنت أسأل المتن في كل مرحلة من مراحل القراءة سؤالا مفاده.. إلى أي مدى لا يمكننا كسر الزمن كي نحافظ على ما يمكن تسميته جماليات الترابط؟

بطبيعة الحال أستطيع القول إن أهمية هذه الرواية لا تكمن في فكرتها، ولا للغة التي صيغت بها، رغم إقرارنا برهافتها وشاعريتها. ولا لمناخ الجرأة على اقتحام التفاصيل، فالمناخ الروائي هنا يقدم بوضوح عالما يتصف بالخديعة وانسحاق المعاني، اللامنطق واللاجدوى، الاغتراب والوحدة، وكثيرا من الملل والعبث. لكن في إطار أكثر انضباطا من تفاصيل ذلك المناخ. هنالك يتقاطع المنطق مع شخصيات خارج الأطر المنطقية، تعجز عن تفسير الأشياء. وآفة هذا الشعور تكمن في كوننا نلمس الحيرة موضوعة وفق قوانين على درجة من الثبات وهذا ظل يشكل في نظري هذا الشعور بالدهشة كلما توغلت في الحكاية، فكيف يمكن أن نلمس هذا الترابط وهو يحوي في داخله كل هذا الكم من الاضطراب.

إن قارئ الرواية المتمرس قد لا يصادف أزمة تفسير هذا السمت، إذا كان من الأساس من الذين يسيرون في فعل القراءة وفق قوانين السببية التي ترتبط بمنطـَّقة الأحداث وتسلسلها الخالي من الوثبات الفجائية التي تضر حسابات السياق، لكن بحسابات الممارسة الأدبية لم نلحظ لغة متوترة تتسق بدورها مع توتر الأحداث وحيرة الشخصيات. وإن كنا قد لاحظنا تناولا خشناً يستطيع نبش الذاكرة كي تجتر عذاباتها التي أثرت على شكل تعاطي الشخصيات مع عالمها وظروفه. ناهيك عن الإيغال في الوصف على حساب التحليل الذي هو بطبيعته كان ركيزة الرواية.
   
(3)

توجد ثمة علاقة قوية بين التفاصيل المروية متى كانت غزيرة ولعبة الإيهام بالواقعية، لأن التفاصيل حال تتلاحم وتترابط تنتج إلى حد بعيد عالم الرواية إجمالا. لكن من جملة مناقب هذا المتن الروائي أن التفاصيل قد اتخذت تخريجات جديدة. ولكنها أسست عالمين متوازيين يؤيدان هذا الفصام المنشود التي تريد الرواية أن تلقي عليه الضوء. كما أن للأشياء سلطتها حيث تناكف شخصيات الرواية حتى لتحيلها في بعض الأحيان إلى مجرد أطياف تقدم من خلال أثاث أو أكسسوار معين، كما أن الأسماء رموز في ذاتها، قد تبرز كتهاويم أو تنزوي مهمشة تحت ضغط الأزمة.

إننا لا نرى عالما روائيا يجوز رصده إلا إشكاليا، تجاوز المفهوم النمطي للعالم في تركيبه الإشاري الذي يمنحك تصورا جيدا عن الحركة. ومن أين تأتي الحركة ونحن نقرأ توصيف الفعل وليس حركته في إطار وظيفي يمنح الزمن مشروعيته، فالزمن هو ذلك الإطار الفيزيقي الذي يحوي أفعال البشر بين لحظة وأخرى. لكننا هنا نطالع يقينا آثار الأفعال ودوافعها، الشخصيات المأزومة هي السمت الأبرز وليس العالم بطبيعته الذي تتحرك فيه هذه الشخصيات، لذا من الممكن أن نبرر هذا الشعور الخفي بانسحاق المكان والزمان أو ظهورهما الطيفي وكأنهما منسحقان كشخوص الرواية. طرأ عليهما نفس التشوه. أو إننا نرصد جدليات ثنائية تتحرك فيها الشخصيات كي تشرح أفعالها ومبرراتها وتغض الطرف أو تكاد عن مفهوم الظرفية التي تُخلق في إطارها هذه الأفعال.

قد يسأل البعض أين ذهبت هذه الظرفية؟
أقول: إن النمو الاستعاري للأحداث المروية والمستند على براعة اللغة الوصفية كان يخفي في طياته هذا الشعور بالمكان والذي تجلى كضباب، وبدا الزمن على الضفة الأخرى وكأنه أكثر تشظيا وغموضا من البشر ولا يمكن الإمساك بتفاصيله. وربما لو اندفعت في تبرير أكثر لهذه الإشكالية لذهب لكون العالم الروائي قياسا على مركبات الأزمة النابعة من حياة أبطاله وعلاقة ماضيهم بحاضرهم لأدركنا بلا شك أن الزمن لا يمكن إدراكه للذين استسلموا لنوازعهم وهواجسهم، والذين تمركزوا حول ذواتهم. أو أن توقف الشعور ببلاغة الفعل والتأثير، غالبا يتجاوزهم هذا الشعور بالوقت. هذا بالإضافة لعدم الشعور بالمكان أو يا ربما استحكام حالة من العدائية مع هذا المكان ومن فيه.       

"لأجد نفسي في غرفة العناية المركزة في المستشفى.. الأجهزة ترتدي كل جزء في جسمي.. وبدا كل شيء كالضباب وصفير يروح ويجيء في أذني.. أنظر للمكان  وأحِدق
 في الفراغ"

من جملة الأسئلة الإشكالية في هذه الرواية وأكثرها غواية وإمتاعا أنها تبلور الأزمة والحل دون تلميح واضح أو إشارة مجانية في الحقيقة. فعاطفة الحب مثلا حالة من التزام أخلاقي وليست مجرد لقاء رجل بامرأة لأسباب ليس من بينها أن يكتملا. في إشارة ضدية لتجاوز متطلبات الجسد والاندفاع المحموم وراء نزوات عابرة.

من زاوية أخرى الإشارة الواعية للأسقف المرجعية التي تعصم الإنسان من مغبة الانزلاق في تهويمات لانهائية تعمق لديه الشعور الفادح بالأزمة واليأس من حلها.
بطبيعة الحال لا توجد هنا قرينة أيدلوجية أكثر وضوحا وبروزا من قضية الله، والذي يُمارس عليه نوعا من الدلال الذي لا ينفيه بأكبر من التدليل الشفيف على الإيمان به.{ أتمرد على فروض الله وأسخر منها وأهجره الهجر الذميم}. إذا أخذنا العبارة على معرض الإقرار بالمعصية فربما انفلتنا من صدامية المعنى الظاهري لمكونات الجملة. هذا إلى جانب أن المسكوت عنه يشير بوضوح أن لله فروضا قد تم تجاوزها.  
"يا الله ما أشد بطشك.. كيف أكفر عن كل ما فعلت.. كيف أضم يدي إلى جناح رحمتك لتخرج بيضاء من غير سوء.. أما زال لرحمتك باب يمر بي.. ما السبيل إلى وصالك ُدلني؟ ما السبيل؟"
إننا هنا لا نحاكم معتقدا في الحقيقة، ولا يمكن بأي حال في إطار المجاز الأدبي على أقل تقدير أن نشير إلى حالة من السقوط تحيط بهذه النفس التي تبحث عن خلاصها، فلا يوجد تناقض مرجعي بين حالة يأس عارضة تستوجب لجوءا مخلصا لمن يملك أبواب الرحمة القادرة على استيعاب الحيارى. لذا من السهل على ضوء ذلك المعنى أن نصادف الإشارات الإيجابية للتعامل مع فكرة الموت، بل وتأسيسه كمعادل للحياة الحقيقية. والتلميح لكون أرض المقابر هي محتوى الأحياء وزوارها هم الموتى يقينا.

الغريب أن هذا الطقس لم يأت من فراغ وخواء روحي عند الذات الساردة، فالمتن في جملته على معايير الأسلوبية، قد يبدو احتفالية عبَّر عنها هذا الكم من الترصيع الذي اجتذب النص القرآني أو استجلاء معناه في بنية اللغة. (وما كان ربك نسيا)، (ويسألونك عن الروح). وشواهد كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.

...
خاتمة:
وطر الروح مونولوج ممتع وشجي من البوح، يكشف في إطار جمالي أزمة النفس والإنسان في المطلق على ضوء ما نعيشه الآن من اغتراب وانسحاق. حكاية صيغت من أحلام وهواجس وزلات وانكسارات، كوابيس محفوفة بالإحباطات، وملفوفة بالحيرة في مناخ قد لا يجد بوصلة تهدي فيه الحيارى. أو يا ربما كانت تؤسس في إمتاع الدرب الذي ينجينا من هذه الملهاة المتناهية التلفيق.   


الأحد، 25 مارس 2018

محجوب العياري 2010/1961 .. ذكرى شاعر حققيقي

أقنعت صديقي الجاحد بصعوبة أن نرحل لتونس كي نبتاع بضائع نحتاجها، وكان لي بشكل شخصي مآرب أخرى.
لم يكن لديَّ معلومات، لكن الربح قرين الجسارة. ألقانا الحظ في طريق واحد من المهربين وسألناه مباشرة، فتعاون معنا.
تحركت في يومين أو ثلاثة البضاعة مرورا من ليبيا إلى مصر. هنالك لم يفكر صاحبي كثيرا فحرق العودة في تذكرة الطائرة. ورحل براً. بينما ظل معي أسبوع لا أدري كيف سأنجز فيه ما سعيت له.

لم يكن من أحد محسوب على تونس والمشهد الشعري التونسي يمنحني التشجيع حين سألت عنه، وخاصة بعد أن وقع بين يدي ديوان له"حالات شتى لمدينة".
على استحياء ألمحوا لاتهامه بالتعالي والكبرياء المتطرف. أو ربما كانوا يحسبونه على حزب المتوائمين مع السلطة. والحقيقة أن شعره لم يمنحني يقين التوائم. ففي شعره ثمّة احتجاج ونقد شفيف للواقع، مع تلميح بأزمة الإنسان وبخاصة التونسي.   
لكن أعترف حين التقيت به كانت ملامحه من ذلك النوع التي قد تظلم صاحبها. فرغم كونه جميل الشكل والهيئة، لكن بدت عليه أمارات الصرامة. التي لم يستطع المرض إخفائها.

من مصر حاولت الاتصال به، وبذلت في سبيل ذلك جهدا كبيرا، فإيماني به جعلني أكتب عن ديوانه قراءة نقدية. وحين اهتديت لبريده الالكتروني أرسلت له توطئة القراءة التي تسبق تحليل نصوصه. شكرني وألمح إنه يعتذر لكونه تأخر في الرد لأنه مريض.
أنجزت القراءة وأرسلتها، قلت يا ربما أسعدت روحه، فاعتراف الرجل بالمرض لا يوحي إنه مرض عادي. وحين قررت السفر لتونس كنت أرسلت في طلب عنوانه ورقم هاتفه فسوف أرسل له كتبي، والحقيقة لم يكن عندي وقتها غير ديوان واحد.

كانت خطتي تنقسم بين اتجاهين أبدأ بمحجوب العياري في "نابل" ومن ثم أتحرك إلى المنستير.

وصلت "نابل" وكان الوصول لبيته أصعب من الوصول للمكتبة الجهوية. فانتظرته هناك بعد أن هاتفته عن طريق هاتف بالعملة.
وصل أخيرا وبدا لي مريضا فعلا بمرض عضال. تظاهر بالثبات والتماسك، بيد أن الحركة نفسها كوني أخبرته إنني قد جئت من مصر خصيصا كي التقي به. حركة قد أسعدته وأحسبها أبكته في انضباط. كما كان ممتنا للقراءة وأثنى عليها.

عبرت له عن إعجابي. ولم أرد أن أشق عليه. ولكني ألمحت لمعنى الخصومة التي لمستها حيال أسمه من حزب الشعراء الذين سألتهم عنه. وحين سألني عن رأيي قلت: قد أغفر نرجسيته مادامت الحقيقة الشعرية مضيئة وقوية.

الغريب في هذا اللقاء أن الرجل ظل يناديني"شوكت"، والأغرب إنني لم أصحح له الاسم. والمؤلم أن ظننت إنه قوي وسيقاوم، لكن في منتصف مارس 2010 كنت قد أرسلت له مقدمة قراءة جديدة لديوان" حرائق المساء حرائق الصباح" ولكنه لم يرد. في نهاية الشهر كنت أقرأ نعيا يشير لموت"محجوب العياري" ورغم الشعر كمركز للمعرفة ولهذا اللقاء العابر لم أستطع تفسير لماذا اعترتني هذه النوبة من البكاء. ولاسيما أن خبر موته كان مشفوعا بقصيدة يرثي بها نفسه.

سأمــوتُ من وَلـَـهٍ... أمــوتُ
،سأموت حقـًّـا، لا مجازا
.ثـُــمّ يطــــويني السّـُـــكوتُ
سيسيرُ خلف النّعش أصحاب قليلٌ
.سوف يمشي أدعيـاءُ وكاذبُـــونْ
سيقول نُـقّــادٌ كلاما غامضــــا
..ليُـوفّـــرُوا ثمنا لكبـش العيد حتّى يفرح الأطفالُ
سـيهبُّ أكثر من مذيع فاشل
ليبُثّ صوتي عبر حشرجة المساء
ستُـعيدُ بعضُ صحائفٍ نشرَ القديمِ من الحواراتِ القليلهْ
بعضُ اللُّصوص سيحتمي بظِلال مسبحةٍ كذوبٍ
...ثمّ يتلو ما تردّد عن عذاب القبرِ
عُشّاق صغار، ساسةٌ حمقى، سماسرةٌ، نهاريُّــــونَ، كُـتّابٌ بلا كُتبٍ، وحُجّابٌ بلا حُجُبٍ، وحطّابون في ليل القصيدة دونما قبسٍ، ومشّاؤون نحو ولائم :السُّــرّاقِ سوف يردّدون جميعُهم
،محجوبُ مِـنـَّـا-
نحن حذّرناهُ أنّ العشقَ، مثل الخمر، مثل الشّعرِ قاتلْ
محجوبُ مِـنـّـا-
...نحنُ أطعمناه من جوعٍ، وآمنّاه... كان لنا رفيقاَ
..محجوبُ منّا-
لستُ منكم-
لمْ أُرافقْ غير جُــوعي
لستُ منكم-
لمْ أُرافقْ غير حُــزني
لستُ منكم-
لمْ تُـرافقني سوى أُنثى أنا أوغلتُ في دمها... فمعذرةً-
سوى صحبٍ قليل عـدُّهُـمْ
لكنّهم كانوا صباحي
لستُ منكمْ-
لستُ من أحدٍ
وكفّي هذه بيضاءَ أرفعُها... وما رافقتُ من أحـــدٍ
أنا رافقتُ جـــوعي
،وقصيدتي جاعتْ وما أكلتْ من الثّــديَـيْـن... جـاعت
خوّضتْ في اللّيلِ حافيةً، ونامـتْ
!لمْ تُفتّحْ لارتعاشتها البـُـيُـــوتُ
سأمــوتُ من وَلـَـهٍ... أمــوتُ
،لكـنّ كاساتي، وكاسات الأحـبّــةِ فِـضّـــةٌ
.وكــؤوسُ أعــدائي خُــفُــــــــوتُ
ولنا الصّباحاتُ التي لا تنتهي
.ولهم فواجع أمسهم
.لهم السّـُـكــوتُ
.سأمــوتُ من وَلـَـهٍ... أمــوتُ
سأمــوتُ حـقًّــا، إنّـمــا
،من لحم أغنيتي ستطلعُ كــرْمــةٌ
.سيحـطُّ فــوق جـبـيـنـها حبــقٌ وتُــــوتُ
سأمــوتُ ؟
وهْــمٌ ما أشاع المـيّـتُــونَ
وهــلْ أخُــو وَلـَـهٍ... يمُــوتُ ؟
! هــلْ أخُــو وَلـَـهٍ... يمُــوتُ ؟


ماذا فعل الله ببلال فضل؟

  في المبتدأ لن أميل لكون ما سأكتبه نقدا أو مراجعة، أو حتى رأي انطباعي، رغم الاعتراف بوجود الغواية الكافية؛ كي أتصدى لقراءة الرجل وأنا مُحمل...