الأحد، 13 فبراير 2022

أم ميمي.. أزمة القراءة البريئة !!

 

غالبا لا أحب قراءة الأدب بأحكام مُسبقة، أو إنتاج أحكام قيمة، تأخذ منحى أخلاقيا أثناء القراءة. بل قد أذهب طوعا لقيمة المتن، بغض النظر عن القالب اللغوي الذي صيغت من خلاله تفاصيله. لذا اندهش أحيانا ممن يتهمون لغة الرواية- أي رواية- بأنها مبتذلة، على ضوء ما ورد فيها من مفردات وسياقات ومجازات. ولأني مازلت مؤمنا بمقولة "رولان بارت" الخالدة {لا توجد قراءة بريئة للأدب} سأحاول هنا الانسلال فيما وراء أم ميمي؛ كي أثبت أن النص رغم كل ما ينطوي عليه مما يعتقده فريق من القراء إنه بذيء لم يفقد كونه أدبا، لانتقل لمحنة النقد أو محنة الذائقة حين تتصدى لقراءة رواية جاءت على هذا النحو.   

في حقيقة الأمر لا أرى في النص معنى البذاءة رغم كثرة الشواهد(ظاهريا) والتي أنتجت بدورها حالة الصدمة حيال لغته. بل أرى أن من الموضوعية بمكان أن أسأل الخطاب السردي سؤالا افتراضيا مفاده. هل هي بذاءة منتحلة أو أصيلة تتسق بدورها مع طبيعة شخوص الرواية القائم عليهم فعل السرد نفسه. ولاسيما أن شبح بلال فضل السيناريست كانت تزاحم ولو في اللاوعي شخصية الرجل كسارد لأحداث روايته. والتي أنتجت بدورها حوارا؛ هو بالضرورة حوار الشخصيات في الظرفية الزمنية والمكانية كإطارين شرعيين للحكاية. وهنا ودون تجاوز مني لا أدعي أن الرجل كان يحتاط مبدئيا وهو يدرك يقينا أن موضوع روايته هو قاع المجتمع. أو ما يسمونه أحيانا في الخطاب النقدي اللزج بالواقع السفلي للحياة. واقع لا يمكن أن نتعامى عنه أو نتطرف في إنكاره. وهنا قد أسمع من يقول: إن الأدب يسعى في واحدة من وظائفه لإدراك الرقي. وبدوري لن أطعن في هذه المقولة، ولكن تبقى إشكالية أم ميمي إنها ستفجر سؤالا أكبر من ذلك المعنى في زعمي وهو. إلى أي مدى يمكن الحكم على مصداقية المتن الروائي؟

قبل الإجابة عن ذلك السؤال سأحيل من يقرأ هذه السطور لنماذج ثلاثة أحسبني قد قرأت لها مرارا، وبلغ أثرها في ذائقتي مبلغا مُهما. أبو نواس في شعره الماجن والذي اعتبره - رأي شخصي-  أكثر بلاغة وأثرا من كل ما كتبه الرجل. وكان فيه من الجماليات الفنية عناصر إبهار متحققة بقوة. بل وكنت أرى صدقا يجب التوقف عنده؛ لأنه يكتب عن المسكوت عنه من بغداد التي كانت رمزا آنذاك للعلم والزهد، هو بالفعل لم ينكر عليها عظمتها، لكنه كان أكثر جسارة من غيره في الكشف عن الجزء المخفي من حياة الناس وقتها. لكنه في كل الأحوال لم يفقد شعوره الفني وهو يتماس مع هذه المساخر التي عاشها وهو يقينا لم يخترعها. وهناك الشاعر الفرنسي "رامبو" وقصائده المهمة التي كانت تعبر عن شغف "فيرلين" به، في علاقة بوهيمية لم تكن تفاصيلها بخافية على معاصريه. ناهيك عن نصوصه الأخرى التي كانت تطعن في كل القيم الجمالية التي أنتجتها الحضارة الأوربية؛ كي يثبت أن هذه الحضارة قد اغتالت الإنسان وهي في طريقها لإنجاز ما تدعيه من أشكال التحضر. وأتوقف أخيرا عند الخبز الحافي لمحمد شكري الروائي المغربي، وخاصة الجزء الذي يغطي طفولته سردا، وما ينطوي عليه من تفاصيل قد تدعو للغثيان. ومع كل هذا لم يستطع منتقدوه أن ينفوا جسارته وجرأته كي يحكي عن طفولة بهذا القدر من البؤس، ولا تخلو بدورها من متون سردية هي أقرب للفضيحة.  

لا أريد أن يفهم من حديثي إنني أدافع عن الرواية، فلقد قرأتها وأنا أغبط كاتبها على هذا القدر الكبير من الجرأة وعدم استسلامه للنموذج الذي يستنكف أن يعري الحقيقة بهذا القدر من الوضوح. لكن إشكالية المصداقية في متن سردي هذه سماته تظل هي المشكلة الأصعب. لأن النقاد الكلاسيكيين يبنون رؤيتهم غالبا على الاتساق العضوي بين الزمان والمكان من جهة، ولغة شخوصه من جهة أخرى؛ لذا فلنجب على السؤال بسؤال له وجاهته هنا.. ما اللغة التي كان من الضروري أن يتحدث بها ميمي أو أمه في إطار المشهدية المفصلة التي صاغها بلال فضل لروايته؟

إن إنكار الواقع السفلي أو قاع المجتمع لا يعني زواله. بل إن يقين المسئولية الأدبية إذا جاز التعبير هو من يعطي هذه الكتابة مشروعيتها. فمن سيتصدى للكتابة عن أم ميمي إذن، إذا ظل هاجس اللغة الرصينة هو من يجهض هذه المحاولات؟

إن التكلس الذي أصاب الخطاب النقدي يبدو لي هنا وقد انعكس بدوره على ذائقة القراء أصحاب التوجهات البريئة في تقييم الأدب. بل كان من الضروري أن نبحث في قضية أخرى ترتبط يقينا بمسمى الأدب الواقعي، والذي يبدو لي لم نستطع فهمه للآن. فعندما تصدى"باختين" لتحليل أدب "ديستوفسكي" أدرك الرجل قيمة أخرى لمفهوم الواقعية يغفل عنها الكثيرون، فلقد عبر عنها بعد دراسة طويلة ومتأملة. أن الرواية على معايير الواقعية يجب النظر لها من منطلق(قد تكون وليس بالضرورة) بمعنى إنها قد تكون واقعية بصورة مطلقة، وليس بالضرورة أن تكون منتمية للواقع؛ لأن من حيَّل الخطاب السردي الإيهام بالواقعية، وبسط نفوذ ما يسمونه بالمتخيل السردي. من هنا قد تأتي صدمة المتن عند بلال فضل. فليس على ضوء ما قرأته يوجد مساحة لأي متخيل، بل هي واقعية للحد الذي لا يمكن الانفلات من صدمة تفاصيله. الصدمة التي كانت هدفا في ذاتها على حد ما وصلني منها. ولست أدري أين أنا من الصواب إذا اعتقدت أن هذه الصدمة قد تحققت  في هذه المسافة بين من شاهدها وعايشها في زمن سابق، والوقت المناسب لاستدعائها الآن لكتابتها. وقد تكون ظلال هذه الصدمة قد أتت أكلها لأن"بلال" لم يتوار في عباءة الراوي العليم، بقدر ما كان حريصا على الحكي من الداخل كشريك متضامن مع شخوصها وتفاصيلهم .   

إن حركة الأقدار التي وضعت السارد في طريق أم ميمي لم تكن تنتصر حينها لـ بلال فضل في الحقيقة، وإنما كان القدر عطوفا فعلا أن وضع أم ميمي، والتي تجلت كأروع ما يكون التجلي لسيدة قادمة من القاع فعلا، لأنها قد وجدت من يكتب عنها ذات قدر. وهذا المعنى ينفي عندي أن تكون الرواية هي إرهاصة مقصودة لأدب النميمة. فشبح السارد الذي يتسلل لي من بين تفاصيلها ينفي هذا المعنى، وخاصة أن من جملة ما يتسرب من فعل السرد، ذاك الإحساس بزوال الرغبة في التسامي والمغفرة، والتي لم تعفِ من أحد أو سعت لتجميل سقوطه. وربما هذا ما يفسر لماذا لم يستنكف السارد أن يكون جزءا من فعل الحكي تحريا لهذه المصداقية، بل وكان في كثير من الأحيان يحاكم نفسه، وبصورة تكاد تكون أعنف من محاكمة الآخر، لا لشيء، لكنه المثقف الوحيد في متن الحكاية، لذا لم يكن من السهل أن يستحضر سقوط الآخرين بمعزل عن سقوطه الشخصي.

أزعم أن غواية السرد من الداخل هي التي أوقعت بلال فضل في هذه الإشكالية. جعلته وبدون إرادة منه متورطا في لغة تبدو كنسق ينتمي لقناعاته الخاصة بصورة أو بأخرى. فلقد كان من السهل عليه أن يروي من الخارج ويسقط أحكامه وتفسيراته على الجميع. لكن حتى هذه الغواية لم تكن سوى دفاع مستتر عن لغة الرواية على المدى القريب. ودفاع عن ذاك التماهي بين الراوي وشخوص روايته؛ كي يثبت أن الجميع على اختلاف مشاربهم ضحايا للتهميش الذي ضرب بعنف بيئة الرواية وشخوصها في آن.

 إن أم ميمي كنص يثبت فعلا أن اللغة نسق ثقافي، يتحكم في تأسيسه الكثير من الروافد والتي تنبثق غالبا من طبائع المكان، ومستوى التعليم أو طقوس الطبقات الاجتماعية وما تنطوي عليه من تباين في إشكالية التعاطي مع مفردات الحياة المختلفة. فقاموس المناطق الشعبية يختلف اختلافا يكاد يكون جوهريا عن قاموس الأحياء الراقية. بل قد يلاحظ البعض أن الطبقات الموسومة بالرقي قد بدأت مؤخرا في انتخاب بعض المفردات من قاموس الطبقات الشعبية كنوع من الطرافة. لذا لا يمكن أن نحدث انفصالا عضويا بين الرافد الذي أنتج أم ميمي واللغة التي تتحدث بها. قد يقول البعض لقد كانت المفردات في مقام الكثرة. فيا ربما كان من الممكن أن تختزل ولو قليلا.

أزعم عند التعرض لهذه التهمة إنني لا أفهم ما المقصود بدوافع الاختزال أو الاقتصاد النسبي حيال المفردات التي تتسم بالابتذال. وخاصة إذا علمنا على سبيل المثال أن لغة السرد تنعطف في الأساس عند مستويين: لغة سردية وأخرى وصفية؛ أي لغة تحكي وأخرى تصف، والفرق جدا واضح بين من يتصدى للحكي والوصف. في حالة الحكي فالقائم عليه فعل الحكي هو البطل، فهذه حتما لغته التي ينقلها الكاتب بأمانة تحريا لمفهوم المصداقية كما ذكرنا. بينما في الوصف فإن السارد هنا هو المتحكم في لغته والتي تنبني أصلا على معايير ثقافته الخاصة. وشكل رؤيته حيال ما يتصدى لوصفه. وهنا قد حدث أمرين أظن أنهما قد تصارعا في وعي السارد.. وفي نهاية الصراع أحسب أن من انتصر هو بلال فضل نفسه وليست اللعبة التي يجوز توصيفها بتقنيات الكتابة.            

لا توجد مسئولية أخلاقية يمكن مراجعة شخوص الرواية على أساسها. فهذه حياتهم وما كان بلال فضل سوى موصل جيد لما يعيشونه يقينا.  وبطبيعة الحال لم يكن الرجل أضعف من أن ينتخب لغته الخاصة التي تصف حياتهم وفي صورة تبدو ظاهريا أعلى وأرقى من لغة هؤلاء عندما يتحدثون عن أنفسهم. من هنا تنشأ جدلية اللغة قبل الشروع في الكتابة. لست من أنصار الرجم بالغيب ولكني فقط أحاول تفسير ما يعتقده البعض من الكتاب عصيا على التفسير. 

في المبتدأ أزعم أن بلال فضل يكره ديكتاتورية الراوي العليم الذي يحكي من الخارج، ومن ثم يحاكم كل شخوص الرواية ويسقط عليهم أحكامه كي يتحركوا في تفاصيلهم وفق إرادته المنفردة. لذا وبديمقراطية عجيبة في الحقيقة قد نزل بخطابه السردي لخندق أم ميمي كي يستطيع أن يخلق زاوية رؤية متسقة واقعيا مع أزمتها، دون أن يقع في شرك تهويمات ساذجة تفسر مأساتها من الخارج ويبدو أنه قد سقط في غواية النسق، فظل للنهاية مخلصا لقاموسها، وقبل كل شيء مخلص للتفاعل الإيجابي مع أزمتها كونه مهمشا مثلها بنفس الدرجة، ويعاني ضياعا معينا، مع حالة عارضة من انعدام الوزن والحيرة والضبابية، التي تجعلك تشعر بطول الرواية وعرضها بأجواء ممتدة من العتمة والكثير من الارتباك.

الأمر الثاني: اعترف إنني لست مهموما بنحت مصطلحات جوفاء تفسر الأشياء، ولا أسعى لإنتاج أحكام قيمة؛ بقدر ما أحاول أن أثبت ما أراه لمن يعنيهم أمر القراءة بوجه عام. لذا أعتذر لكوني سوف أنحت مصطلحين أدين لأم ميمي بالفضل لكوني قد اهتديت لهما.

الأول: تراث الفرجة وثرائها.

الثاني: النزوع الدرامي. 

سيقول خصوم أم ميمي وهل تحقق هذان الأمران؟

وهنا سأجيب: إن موهبة بلال فضل -في ظني-  تتأسس أصلا على هذين المعنيين، فتراث الفرجة الذي أعنيه وثراء معطياتها هو من سيحيل القارئ للاعتقاد لكون أم ميمي جزءا أصيلا من سيرة ذاتية أو تكاد، حتى وإن ظهرت هنا في صورة مجتزئة لسيرة ذاتية أكبر منها. فالرواية لم تمنحنا متنا سرديا واحدا يبدو وكأنه لا ينتمي للسارد. بل أزعم أن تفاصيلها تتماس مع شخوص أظنها قد شعرت بالحرج عندما قرأتها. أما عن النزوع الدرامي فهناك من يعتقد أن الدراما لا تعني توريط السارد في مفهوم الصراع الذي هو جوهر الدراما ومحركها الأكبر. وربما هذا ما يفسر عندي لن أقول عجز كاتبها كي ينفصل واعيا عن أحداثها بقدر ما كانت تنتمي لدهشة شعوره الخاص حيال هذه الأنماط التي تقف كضد حاسم لتراث الطفولة المتدينة الحريصة على نقائه والمتمثل في رغبة الأم أن يصاحب في السكن أناسا يعرفون ربنا. إن هذه الدهشة إن لم تكن وقتها تنتمي لنزوع درامي في شخصية الكاتب فلقد خلقته ظروف السكن عند أمي ميمي في البداية، والقاهرة كظرف مكان شديد الجور على قلب طالب علم مغترب.

من علامات تعثري في رواية جيدة أن أصادف بعد قراءتها كما كبيرا من التساؤلات. ولا أدعي هنا أن ما من أحد إلا وسأل مثلا عن مزاج السخرية الذي يصبغ هذه الرواية إجمالا. فلقد كنت أضحك بهستريا في مناطق بعينها. ولم أحاول إرجاعها أصلا لما هو معروف عن كتابات صاحبها، وإنما استشعر قيمة المأساة من قيمة ما يطرح على ظلالها من سخرية. وظني أن السخرية مدينة بوجودها للأزمة ومواسمها. بل قد أذهب لمنتهى التطرف إذا اعتبرت أن هناك تناسبا طرديا بين الأزمة كحالة، والسخرية كحالة ناشئة عنها. وما كانت النكتة سوى تعبير عن سخرية من موقف ما عن طريق التركيز على مفهوم المفارقة الذي يعري لسامعها كيف تفقد الأشياء منطقها لحساب صانع الأزمة الكبير. وهنا أعني الخطاب السياسي الجائر الذي صنع أزمة السارد وأم ميمي في الوقت نفسه. أو كيف يتأسس السؤال عن الجدوى في مجتمع فاقد للحد الأدنى من المعيارية التي تحكم على الأشياء حكما منصفا أو يكاد. تتأزم فيه رؤية الناس حيال مفهوم الحلال والحرام على سبيل المثال. والأهم من ذلك أن سألت نفسي سؤالا: إذا كان الخطاب هنا اجترارا من الماضي فلماذا أثق في ذاكرة بلال فضل وهو يجتر من ماضيه هذه السيدة الإشكالية فعلا. فتذكرت أن الرجل مازال في منتصف عقده الخامس. لذا لا ريب إذا صدقت تفاصيله وصدقته.  وابتهلت في قادم الأيام أن أصادف أما أخرى تجد من يكتب عنها. لكن الطريف حقا وأنا انتهي من القراءة أن تذكرت ذلك المشهد العبقري الذي صاغه أبو السعود الأبياري في فيلم المليونير وإسماعيل يس يستمع لعلي الزرقاني وهو يقول:

هما كده.. يرتاحوا للكدب، ويتألموا من الحقيقة.

ومن بعدها ضحكة عريضة ممزوجة بالأسى والهذيان!!     

 

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2021

جدلية الأبيض والأسود

 

قد لا يتعاطف معظم الناس مع التناقض الحاد بين الأسود والأبيض كلونين يمثلان أفق الألوان مُجتمعة. نبدأ من عند واحدٍ منهما، وننتهي عند الآخر، والعكس قد يكون صحيحا غالبا.

 ربما قد أسس هذا التناقض فرط وضوحهما كلونين أساسيين. وظل في يقين الباحثين عن المطلق والنهائي والأبدي يرفضون في حسم ذلك الرمادي الذي يتشكل دائما من اختلاطهما. والذي يعبر بدوره عن مناطق البينَ بين. وفي صورة انعكاس جدا مهم لارتباك الرؤية وضبابية القرار.

قد يكون الجدل الجميل الدائر بين الأسود والأبيض قد صنعته ثقافة الشعوب، وليس اللونان كمصدرين لإشارة أو دلالة قد تفسر لنا كيف دخلا اللونان لثقافة الناس وحياتها اليومية فيما بين البهجة التي يمثلها الأبيض، والأسود كدلالة على الحزن والقتام.

 في المبتدأ كان الخيط الأسود والخيط الأبيض من الفجر هو الإشارة الأولى لكون الأسود مرموز الليل، والأبيض إشارة للنهار القادم بعد لحظات في مستهل يوم الناس. الليل وغموضه، سكونه وثباته. والنهار الأبلج الكاشف بدوره لكل التفاصيل. أو يا ربما كان الليل الأسود هو مرتع الألم والسهد والأرق، وكان النهار الأبيض هو من يحمل بشرى زوال هذا الألم حين تتحرك تفاصيل الحياة بصورة أكثر حركة ونشاطا، فيظهر من بيده وضع النهاية لذاك الألم. 

إن الليل المنبثق من اللون الأسود لم يلق في روع الناس أن يكون دلالة على الحزن في ذاته. وإن كان الموت هو من يؤسس حاجة الناس للون الذي حضر كثيرا في إشارات الحداد. فلماذا إذن لم يكن الكفن كآخر ما يرتديه الإنسان قبل خروجه من الدنيا أسودا؟

مؤكد على معايير الإيمان لم يكن من الحكمة في شيء أن ننتقل إلى البرزخ في أول عبور للنهاية، ونحن على هذه الهيئة الحزينة. فنحن بلقاء الله لا ينبغي لنا أن نحزن من الأساس. لكن بياض الكفن رغم ارتباطه بفعل الموت والانتقال، هو من يؤسس لون فستان الزفاف والذي يمثل الفرحة الكبرى لكل بنات حواء وهي تبدأ حياتها الجديدة. فهل يجوز على هذا القياس أن نعطي للأبيض دورين متناقضين في ثقافتنا. وخاصة أن شعيرة الحج تفترض بنا أن تكون ملابسنا بيضاء. وغير محاكة بخيط، وكأنها تؤسس كفنا في صورة ملبس لا تمارس الشعيرة إلا من خلاله؟

لا يوجد هنا حكم قيمة نهائي يحدد الإشارات والدلالات التي تبلور بوضوح قيم التناول لمفهوم اللون الأبيض في حياتنا. بل إنه إذا وضع على طرف معادلة فلابد أن يكون الأسود في ختام نتائجها. بل إن هذه المعادلة هي نفسها من تحقق دراما الحياة ومنطقيتها. فبم نفسر إذن واحدة من مقولاتنا المُهمة: ألا يوجد نقطة ضوء في نهاية النفق؟ أو لنعيد السؤال استنادا على قصتنا: ألا يوجد أبيض( يمثل نقطة الضوء) ينهي ذاك السواد (الذي يمثل عتمة النفق).

حين تصدى علماء اللغة لتعريف كلمة الساري. استندوا للآية الكريمة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) فعلمنا أن الساري من يسافر في الليل. وإذا سألنا ذاك الساري ما يؤلمك حقا في ليل الصحراء الممتد لقال: يؤلمني غياب القمر. إذن فلقد سافر في العتمة لكنه يشتهي الضوء. وهنا تأتي وظيفة أخرى للضوء لا تعني ضديته الحاسمة لعتمة الليل، لكنه المنارة الهادية في ظلمات الطريق. هنالك لا يبدو الأبيض سوى إطلالة الهدى المُفتقد، وليس مجرد لون أصم يواجه أسودا مستسلما لأقداره.

قد لا يفطن المرء منا أن التناقض الموجود بين الأبيض والأسود قد يبدو أحيانا تناقضا إدراكيا. يعين الإنسان أن يؤسس باليقين معاييره الخاصة في تقييم الأشياء، ومن ثم المعارف المختلفة. لأن انسحاق الأبيض لحساب الأسود هو انسحاق الضوء، والذي ينسحب من مضمونه معنى اليقين والإدراك السليم. ومن هنا سيتجلى الأسود كسلطة قهر خلقت للإنسان مساحات هائلة من الغموض. وانسحاق الأسود لحساب الأبيض قد يبدو ضد طبيعة الأشياء، فلا يوجد يقينا من أشياء في حياتنا يجوز وصفها بمتناهية الوضوح. ثمة جهد كبير على الإنسان أن يبذله كي يدرك ذاك اليقين. وهذا التناقض هو الذي لن نقول يؤكد مصداقية معارفنا بقدر ما يمنحنا سلامة المنطق الذي أوصلنا للحقيقة المراد بلوغها. فلقد أدركنا قسوة العتمة بمجرد أن لاح النهار. ولمسنا ضجيج النهار وقسوته بمجرد أن هبط الليل بهدوئه وهذه السكينة المتسربة من ساعاته. 

إن الأسود المبالغ فيه قد يعني تحكم الضبابية، ووجود ما يعوق فعل الرؤية للأشياء والتفاصيل. وتنامي الأبيض ليسيطر على المشهد كله قد تعني السيولة واللامحدودية، وهذان المعنيان ضدان لما نعتقده عن طبائع الأمور. ورغم ذلك كله، فإن دراما فعل الرؤية نفسها قد تسخر من هذا المعنى رغم جدارته. فالعين السوداء والخالية من مؤشرات البياض هي التي ترى بوضوح. بينما البياض الذي إن أصاب العين لكان هذا دليلا على العمى. من هنا قد يكونان موجودين كلونين يحملان معنى الإطار واللذان يضعان الصورة المقبولة لمدركاتنا. فهما من يكونان الصورة والخلفية. ويبرزان ماهية الضوء والظلال. وحتى على مستوى الخبرات الانفعالية. يساعدان على تبرير العبوس والتجهم في الوجه المسود، والبشر والحبور المتمثل في الوجوه المُبيضة.

إننا لا نجامل الأبيض إذا ما ربطناه لكونه مرموزا للفرح. ولا نخلع على الأسود سمت القتام والشؤم لأنه مصدر لهما. بل قد يكونان هما من حققا ديناميكية الحياة ذاتها. فلم يكن من السهل أن نرى البحر في منتهى وجوده لأننا عاجزون، فانتهى عند خط الأفق بلون أسود بالغ الاستقامة، فرأينا وقتها البياض الساحق الذي حققه شروق الشمس، والغريب أن نفس الخط الأسود الذي كان يمتد في خيط رفيع، هو الذي سيمتد بعدها بساعات كي يتعملق، فيبرز لنا مشهد الغروب الرهيب حين يتحول بياض النهار المبهر لحمرة مشربة بالسواد فينمو وينمو حتى يكتمل سواد الليل.

من منا لا يعرف الأسود الجميل. أتقول الأسود الجميل؟ نعم الجميل، ذلك الأسود الذي يغطي مفارقنا في إشارة جدا بالغة للصبا وعنفوان الشباب. إن الشعر الأسود حين يتجلى مسترسلا هو الدلالة الواضحة لأن العمر ممتد. والقوة للآن -على الأقل- لن تشيخ. لذا كان جميلا إذا ما قورن شعور المرء منا حين يرى أو شعرة بيضاء وقد تسللت كاللص لتعطينا ما يشير لكن العمر قد بدأ أو يكاد منعطف النهاية. ذاك المشيب المهيب الذي يفرض على الإنسان أن يغادر رعونة الشباب ويتحلى بالكثير من الحكمة التي تتسق بدورها مع اشتعال الرأس شيبا. فهل سنخلع ساعتها على سواد الشعر معنى الاندفاع والتهور الذي كثيرا ما يتسم به سلوك الشباب ولاسيما في البدايات وهل ساعتها سيكون الأبيض الذي يعني اقتراب النهايات مقترنا بالحكمة والوقار. إنها جدلية قد نبعت من ذواتنا، والأبيض والأسود منها بريئان. 

ربما لم يجد الإنسان الباحث عن جماليات التناقض جدلية أكبر من جدلية الأبيض والأسود، فرغم طغيان الألوان تظل الصورة القادمة من عبق الزمن هي بمثابة إطلالة من الآن نحو الماضي. أو هما التاريخ حين يتجلى لشخوص قد عبرت وأماكن قد اندثرت. بل أحسب أن الأبيض والأسود الآن يحركان فينا مزاجا نوستالجيا بامتياز. بل وقد يذهب الظن أن الأبيض والأسود الآن يتعرضان للانسحاق تحت ضغط بهرجة الألوان الأخرى، رغم حضورهما في كل الألوان تقريبا. وأحسب أن الألوان جميعها قد نبعت من داخل فعل الرؤية. وليست حاضرة أمامنا كي نستقبلها استقبالا سلبيا يضفي عليها من أحوالنا ما يجعلها متهمة بجريمة ما لا ذنب لها فيها، رغم إنها على أضعف الأماني قد وُجدت؛ كي تحدد لنا كل شيء، فباجتماع اللونين معا أدركنا ماهية المكتمل والواضح والجميل في نفس اللحظة.

الثلاثاء، 16 فبراير 2021

تسييس الغناء

 

لي فترة أعيش حالة من اعتذار مُقنع لأم كلثوم، فبطول عمري لا اعتبرها الصوت المُعبر عني؛ إذا ما قورنت بالملائكية فيروز. وحتى هذا المعنى المُتجه لمحبة جارة القمر - في الفترة الأخيرة-  شعرت كم بات مبتذلا، فلست أدري كيف حدث ذلك الربط المريب بين صوتها وما يشير للنخبة، أو ربط الرغبة لسماعها بالشخصية المثقفة. وكأن من لا يسمعها، أو يطرب لغنائها هو واحد من عوام الناس أو الرعاع.

 

أحيانا أذهب لتفسير هذه الحمى التي سعت في مطلع السبعينات لتدشين عفاف راضي كبديل لصوت أم كلثوم، وقد يندهش من يعيش تفاصيل هذا المعنى، فلم يكن هناك صوت نسائي جامع للعرب أكبر من صوت أم كلثوم من جهة، وفيروز تتحسس في الثلث الأخير من الخمسينات خطواتها من جهة أخرى. فرغم زخم الأصوات، لكن ظل الغالب عليهن جميعا معنى الصوت المحلي بشكل أو بآخر.

 

تقدَّم العمر بكوكب الشرق، وفي سنوات عمرها الأخيرة تم استهلاكها في حفلات المجهود الحربي بعد نكسة 5 يونيو، وعلى الضفة الأخرى كانت فيروز والرحابنة يؤسسون لخلودهم كظاهرة فنية تستحق الدرس والتأمل. وعلى حسابات الدور الريادي المصري وفاعليته، تم انتخاب "عفاف راضي" والدفع بها للمنافسة كصوت ينحدر من نفس الطبيعة الفيروزية أو يكاد؛ للإبقاء على وجود صوت مصري مؤثر ينجز ما كانت تنجزه أم كلثوم كحالة فنية أجتمع عليها العرب لفترة طويلة.  لكن دوافع "الرحابنة" في ظني لم تكن بأي حال منافسة أم كلثوم أو مصر من ورائها. بقدر ما كان طموحهم يتجه لضرب منظومة الزمن نفسه، الزمن الذي لم تعد ظروفه تتحمل الحالة الكلثومية، وما تطرحه من عواطف جعلت من تفاصيل الحياة بعيدا عن عاطفة الحب وكأنها مُهمشة إلى حد بعيد. وهنا أذكر مقولة أخي الخالدة في معرض انصرافه عن كوكب الشرق، واللجوء طوعا لصوت فيروز: أكره السلطوية وأحادية الرؤية التي تطرحها أم كلثوم.. مرَّة من خلال صوتها المبهر فعلا، ومرَّة من خلال التصورات التي تضعها أغانيها لعاطفة الحب نفسها. لدرجة أن أسمع واحدا من عشاقها يقول: أم كلثوم هي التي علمتنا الحب!!

 

أعترف إن محبة فيروز من الأشياء القليلة التي لم أشأ التمرد فيها على اختيارات أخي الكبير. وإن كنت في ركن خفي من حياتي، أدركت أن أم كلثوم هي حالة أكبر منها، حتى مع الاعتراف بكاريزما صوتها الخاص والاستثنائي. للدرجة أن يقول"عبد الوهاب" أهم موسيقي عرفه القرن العشرون: أم كلثوم رفعت بصوتها وأدائها أخلاقيات المهنة. وتقول رتيبة الحفني في مقارنة بين أسمهان وأم كلثوم: الفرق بينهما أن الأولى تتسلى بالغناء والأخرى تمتهن الغناء. في إشارة جدا مهمة للاحترافية المتطرفة.

 

أزعم أن فيروز قد التقت بالرحابنة، وخاصة "عاصي" لتصنيع الحالة الموازية لحالة أم كلثوم، أو إذا جاز التعبير نستعيض بالحالة لمعنى مأسسة الصوت. لكن كان الهدف الرئيس الذي سعى له هذا الفريق هو تأسيس اتجاها آخر للغناء. منطقة جديدة، تستطيع منحك أغنية طربية بامتياز، وفي أقل وقت ممكن، مع التواصل بالكلمة المغناة لمواضيع وأفكار لم تكن الأغنية الكلثومية مهمومة بإدراكها. على كل الأحوال ظلت عفاف راضي في مكانها اللائق بإمكانياتها، بينما ظلت أم كلثوم وفيروز من بعدها كحالتين أو فصلين مهمين من فصول كتاب الطرب العظيم الذي يُصلح لدارسي الفن كإشارات مهمة للبحث في الغناء كظاهرة ثقافية مكتملة الأركان. أو لنقلها بوضوح: تسييس الغناء!     

الجمعة، 11 ديسمبر 2020

أحمد الشمسي.. مبروك للعامية

لم أتعود خذلان من يراهن على فرحتي حيال نجاح حققه. وبالفعل أنا من أولئك الذين يحتاجون أن يلمسوا شيئا من فرحة؛ لأن معنى الفرح في حياتي شحيح جدا. لذا أتمنى بالصدق أن يفرح كل من أحبهم، وهو منهم ولاشك.  

يوم التقيت به في ليل إسكندرية كان الطقس شتويا إلى درجة. يقينا لم أشبع من الجلسة، ولم أسمع منه شعرا كثيرا، وإن كنت شعرت بشيء مختلف؛ وصفته وقتها بالشاعرية الخجولة. صوته هادئ، والشعر عنده عفوي إلى درجة كاشفة عن موهبة حقيقية، تبحث لنفسها عن موضع قدم في ساحة يغلب عليها الزحام الرهيب.

قلت إن آفة البحث عن نموذج يمكن الكتابة من خلاله هي أزمة هذا الجيل، لكنه على الواضح قد عانى كثيرا كي يختلف، ويكتب صوته الخاص والمنفرد. لذا إذا كان الشعر هو موقف أصيل من العالم يعبر عن مفهوم الهم الخاص للشاعر، فإن صوت أحمد الشمسي في ظني صوت أصيل، وعلى المدى المنظور سوف يتبلور في كتابة مهمة. لذا ولأني بعيد ولا أملك النية الحاضرة للاقتراب مجددا من الشعر وأهله، سأهديه هنا معنى المباركة لفوزه في القائمة الطويلة لجائزة ساويرس التي أحسبه قد دخلها بجدارة اختلافه، وشاعريته التي تتجلي في إبداع حقيقي. ولكم أتمنى أن أكون حيا لأشهد نجاحاته القادمة.     

 

الأحد، 29 نوفمبر 2020

مارادونا.. موت المتعة !!

عندما تموت ظاهرة استثنائية تنتمي لجيلي، أشعر وكأن جزء من عمري قد مات. بالأمس فقدت كرة القدم واحدا من أهم ظواهرها. وليس مجرد لاعب داعبت قدماه  يوما كرة كانت قبل أن يلمسها مجرد شيء مفرط في التفاهة.

أتذكر هذا اليوم جيدا وهذا العام، انتهيت وقتها من امتحانات دور مايو، وللأسف كنت أمتلك لأول وآخر مرة في حياتي طموحا واضحا أن أصير أستاذا للقانون لأن الالتحاق بسلك القضاء ليس مسموحا لمن هم منتمون لطبقتي الاجتماعية التي لا تعرف سوى الموظفين العاديين حد التسول.

كان عام 84 كرجل شغوف بكرة القدم هو عام ميشيل بلاتيني؛ يوم فازت فرنسا بالأمم الأوربية لأول مرة في تاريخها. وقبلها بعامين بمونديال أسبانيا عرفنا اللاعب السجين باولو روسي هداف البطولة آنذاك. وأقول على سبيل الجملة الاعتراضية واستنادا لذاك الشغف: إن ظهور مارادونا قد تأخر كثيرا فلقد كان من جملة الفريق الذي فاز بمونديال 78 لكن سيزار مينوتي وقتها ولأسباب غير مفهومة لم يدفع به. ونفس الأمر في مونديال أسبانيا الذي كان مقاما لإيطاليا التي أبدعت فيه، وخاصة بعد مباريات الدور الأول الذي تجاوزته بصعوبة وبثلاثة تعادلات غريبة.         

في 86 أستطيع القول أن من فاز بكأس العالم هو مارادونا والذي أهدى الكأس بدوره لبلاده. كانت بطولته المتفردة بكل ما تحمل الكلمة من معنى الخصوصية، بل أزعم أن هذه البطولة هي آخر ما شاهدناه من تفاصيل المتعة التي افتقدتها مع الوقت كرة القدم حتى ظهر "ميسي" الأسطورة الأرجنتينية الباقية. 

كنت أشعر عند مشاهدة مارادونا بما يشير لكراهية الغوغاء للمتعة، أو صدام الفن بجمهرة الرعاع. فكم العنف الذي مورس ضده كان لافتا جدا وأحسبه لم يتكرر مع لاعب بمثل هذه القسوة الغير مبررة. وأحسب أن الزمن اللاحق لمارادونا قد انتصر للمواهب وحماها من العنف إلى درجة لم يكن الرجل ليحصل عليها وقت كان يلعب ويبدع.

كان عقد الثمانينات في بداياته قد شهد حرب "الفوكلاند" التي نشبت وقتها بين بريطانيا حول جزر تدَّعي الأرجنتين إنها جزء من أراضيها. لذا كان الناس من المثقفين سياسيا ينتظرون شكل اللقاء المزمع بين مارادونا ومنتخب الأسود الثلاثة ممثل انجلترا التي اغتصبت الجزر الأرجنتينية في زمن الاستعمار البغيض. وشهد اللقاء هدفان لمارادونا يحتفلان بأعلى قدر ممكن من الطرافة والإبداع. حتى وإن كان واحدا منهما قد أحرزه مارادونا بيده. ويومها برر ما حدث بدعابة صارخة.. إنها يد الله. بينما كان هدفه الثاني هو التعبير الفعلي للقوة والفن والإصرار الذي كان غريبا على لاعب لاتيني سينتصر للفن قبل أن ينتصر للقوة. لا أدري إن كان الغل المترسب من صراع الدولتين السياسي قبل الصراع الكروي هو من دفع به أن يبدع هذا الإبداع الاستثنائي . لكن أذكر أن في مباراة بلجيكا قد أحرز مارادونا هدفا يقترب من هدف انجلترا في الحارس العملاق "بفاف" هنا تدرك أن كرة القدم تنتمي لكاريزما تنتمي لموهبة جدا استثنائية. لذا حين يموت من هم على شاكلة مارادونا يتحول الموت إلى حدث جلل فعلا، وليس مجرد موت مجاني لشخص عادي.             

ربما أعاد موت مارادونا للواجهة هذه الإشكالية المعقدة فعلا. السلوك الإبداعي ومدى ارتباطه بالسلوك الشخصي. في حقيقة الأمر ليست هي المرة الأولى التي تثار فيها قضية على ذلك النحو من التعقيد. فمنذ "رامبو" شاعر الفرنسية الأشهر والمسألة مؤرقة فعلا. إننا نتعامل مع بشر ولاشك فلماذا ننشغل بنقائص نفوسهم التي تمنعنا حسن التواصل مع إبداعهم. ولاسيما أن مارادونا في حالتنا له من الحضور ما جعلنا نندهش من تصرفاته خارج الملعب ولكننا يقينا لا نكرهه. بل إن محبتنا لكرة القدم مع وجود مواهب على غرار الرجل هي التي من شأنها أن ترفع معدلات حبنا لهذه اللعبة. ويكفي أن الرجل قد صار حالة أو وصفا لكل تفرد قد نراه يوما ممن يمارسون هذه اللعبة كأن نقول لعبة مارادونية أو هدف مارادوني في إشارة واضحة لكون الرجل كان استثنائيا فعلا.  

 

الأحد، 16 أغسطس 2020

روب كل سنة وأنت طيب

 

عزيزي روب


دائما ما أتذكر هذا اليوم؛ كي لا أظلمك في تقييمي، كون تراثك السينمائي في معظمة تجاري حد الصدمة. كنت مراهقا وقتها وفي واحدة من دور السينما المتواضعة في الإسكندرية، مدينتي الأغلى. هذه اللؤلؤة التي جلس على واحدة من مقاهيها "مارتي"* ولم يعرفه أحد، رغم إنها مقهى للمثقفين حسبما أفهم. كنت أنا المراهق الشغوف بالسينما قابعا في صالة العرض، أشاهدك عائدا من حرب فيتنام ويبدو أن تفاصيل هذه الحرب قد دفعت بك أن تعود من هناك لتكو Driver ن Taxiالذي رفض في حسم أن يقود نهارا لأنه لن يتحمل ضجيج نيويورك فآثر أن يقود ليلا، وحينئذ أكتشف عبثية الحرب التي لم تكن سوى لبسط الصولجان الأمريكي على الكون. فالليل كان مسرحا متسعا للجريمة والدعارة والانحلال النوعي الذي ضرب كل شيء.

عامان أو يكاد  وشاهدتك مولعا بصيد الغزلان The Deer Hunter. كان الفيلم ضاغطا جدا، لم أفهم أين هي الأزمة التي تجعل من حرب فيتنام أمرا ملحا لهذا الطرح الهوليودي. لكن يومها لم أهتم، لكن خرجت بذكرى وجه "ميريل ستريب" الملائكي، وهي تدعوك للرحيل لهناك؛ كي تأتي لها بحبيبها.

أتذكر كيف كان ردَّك حين سألك "مو" البدين ماذا كنت تفعل طيلة الثلاثين عاما التي خلت فقلت في لهجة اليائس: أنام مبكرا. فعلمت ماذا حدث ذات يوم في أمريكا. أعجبني إخلاصك لـ"روبرت ميتشوم" حين أعدت تمثيل فيلمه الانتقامي الأشهر Cape Fear  خليج الخوف. فنجحت أن تجعلني أكرهك حد النفور.

تطاول العمر يا "روب" وأعدت مشاهدتك. لكن كنت حريصا أن أراك فيما هو أبعد من الأكشن الذي لا أحبه عادة.  فتوقفت كثيرا عند the king of comedy فأدركت عبقريتك الفذة حين اختلط في يقيني الضحك بالبكاء. ولم ألمس قدر رومانسيتك وأنت تتأخر عن موعد"ميريل ستريب في falling in love ولمست العظمة في أبهى تجلياتها awakenings مع القدير روبين ويليامز. وهو يتصدى لعلاج توحدك.  لا يضرك ما سقط من تفاصيل الرحلة. لا لشيء، ولكن لأنك أخلصت لهذه المهنة. أحتاج وجودك كدليل حي على شبابي الذي ولى. يوم كنت قادرا أن أذهب للسينما دون أن أفكر في شيء غير استجلاب المتعة. لأني الآن صرت عاجزا أن أفكر في شيء أبعد من تصور عظيم الشجن والألم أن يأتي اليوم فلا أجدك في هذه الحياة سواء أنت أو القريب "باتشينو" لذا دائما أبتهج حين تعملان معا. أستمتع بحياتك يا رجل، وعدني إنك لن ترحل قبلي. وكل عام وأنت الشرير الجميل والإنسان النادر.

............

* مارتي= مارتين سكورسيزي

 

 

  

الاثنين، 15 يوليو 2019

جسر الآلام

ليس ضربا من وعظ، أو مبالغة في التدين، لكن أزعم أن تجربة المرض، هي التجربة الأكثر صوفية، إذا ما قورنت برجل منقطع للتأمل والعبادة. فمناجاة الله مع حضور الألم مناجاة خالصة، لا يخالطها ريبة أو أدعاء، ولا يضاهيها أي إخلاص آخر لكونها قادمة من أعمق ما في القلب من أمل ورجاء.

من زاوية أخرى، يحدث للمريض ما يشبه التجلي، فالله هنا أقرب بكثير مما يعتقد الأصحاء، الذين مازالوا على حال القطيعة. هنالك لا يبدو السقيم مُخلصا لشيء، أكثر من إخلاصه للشفاء، وحتى جدلية الموت والحياة، لم تعد هي القضية المركزية التي تشغله، بل إن زوال الألم والأرق مقدم على ما عداه، وكيف لا، والنوم قد صار كالكنز المخبوء الذي لن يعلن عن نفسه إلا بتدخل مُعجز من الله سبحانه؛ كي تنتهي كل الآلام.

في جزء من هذا الحديث القدسي المُبهر في بنائه اللغوي. يقول الكبير المتعال:  يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين. قال: ألم تعلم أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت إنك لو عدته، لوجدتني عنده.

إن هذا الوجود في يقيني ليس وجودا طيفيا بأي حال، إن هو إلا وجود حقيقي بالقوة والفعل. بل قد يكون ذاك الوجود هو الخالق لحالة السكينة والرضا التي تكسو حال المريض وسمته والذي قد يتناقض مع ما هو معروف سلفا من محبته للحياة والتكالب عليها. ففي تجارب مرضية تتسم بالقسوة، تبدو عين المريض قريرة كزاهد. أو حكيم قد خبر الدنيا، وأدرك منها ما يشير لتفاهتها وعبثيتها، وانعدام جدواها، وضلال مسعاها. 

قد يظن المرء أن الحياة والموت قد وصلا للمنحنى الصفري، متساويان في القيمة، والحقيقة أن الموت لن يكون مجرد نهاية حتمية ينفذها القدر بإحكام، بل هو العلاج الناجع والحاسم؛ كي ينتهي كل هذا الألم. ورغم قسوة المعنى الذي صاغه المتنبي من ألف عام..
كفي بك داءً أن ترى الموت شافيا     وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا

هنا أعلن المتنبي في إيجاز.. أن أصعب الأسقام، هي التي لا علاج لها غير الموت، حينها يتحول الموت لأمنية غالية. وأذكر هنا أن تحدثت لأبي في أيامه الأخيرة عن الموت كعدو لا يمكن منازلته. فضحك وسخر مني، وسألني في لهجة المستنكر.. أين أمي وأبي وأخي؟ أنا لست جزعا من الموت، ولكن لا أريد أن أراه شاخصا في عيونكم، تطلبونه لي؛ لكي أرتاح. فهذا المعنى لا يمكن أن أتحمله. لا أدعي أن أبي قد قرأ بيت المتنبي. فالرجل على ما بدا من حديثه بعد ذلك قال: أريد أن أنام، فلا أقوم من النوم إذا ما قُدر لي الموت، وأتمناه في هدوء.

في حقيقة الأمر، إن تصوراتي عن الألم، تشبه تصورات سيدنا إبراهيم عن الله يوم كان يبحث عن هذا الرب في تأملاته كل ليلة.  فيوم أصبت بقرحة المعدة، كان ألمها شديدا جدا، فآمنت وقتها أن هذا هو أعظم الألم. لكن في عارض من وجع للكلى، قلت: محال، هذا هو الألم الأعظم. وحين عرفت نوبات المرارة، أدركت أن ألمها لا يضاهيه ألم. وحين راقبت آلام العامود الفقري، وتداعياتها على أخي.. قلت في السر: لا نسبة ولا تناسب، ولا معنى لأي قيمة تفسيرية للألم، فكل الألم عظيم، وما أضعف الإنسان!!

في هذه التجربة، تأكدت مزاعمي القديمة، أن الدنيا لم تُخلق لكي نحبها ونخلص في محبتها. فبأمر الله لآدم أن يهبط، أدركت الفطرة إنها قد انحدرت من عال إلى متدن. من سمو مُطهَّر إلى حقير مُدنَس. وإننا طالما لن نأكل الموت، بل فقط سنتذوقه{كل نفس ذائقة الموت} فلا أقل من أن نمضي في هدوء وسكينة، فالعراك على الدنيا مجاني وبلا جدوى. والتكالب من الناس على المال والمناصب، إن هي إلا محاولات بائسة لإدراك شيء من لعنة، تكمن في هذا المال وذاك المنصب، والذي هو في يقيني مجرد اختبارات قاسية للإرادة.

إن مجاورة إنسان في تجربة مرض على قدر متطرف من القسوة، هي اختبار جدا مهم للفطر السوية، التي تستطيع أن تعود لكي تضبط علاقتها مع الله، وللمعنى الذي خُلق الإنسان من أجله. فإذا كنا نتحرك في دنيا الله بأسباب الله، فلا أقل من أن نتحلى بقدر مقبول من إيمان، يجعل هذه التجارب تمر، وهي مشفوعة برضانا حيال أقدارنا التي انتخبت هذا الألم أو ذاك السقوط، لأننا يقينا لم نختر شيئا، وإنما اختير لنا، لأن طي هذا الألم رحمة لا يمكن لنا أن نتصور مقدارها أو حكمتها، فالمرض هو المطهر في كوميديا "دانتي" الإلهية من وجهة نظري، والذي سيجعلنا نلتحق بالأبدية، ونحن على براءتنا الأولى يوم هبطنا مع أبينا يحركنا التوجس من الأرض الجديدة، ويسكننا شوق باطني جارف - مهما بلغت معاصينا- أن نعود للفردوس المفقود، الذي هبطنا منه لمجرد أن أبانا قد نسي عهدا قد قطعه مع  الله.     




ماذا فعل الله ببلال فضل؟

  في المبتدأ لن أميل لكون ما سأكتبه نقدا أو مراجعة، أو حتى رأي انطباعي، رغم الاعتراف بوجود الغواية الكافية؛ كي أتصدى لقراءة الرجل وأنا مُحمل...