السبت، 24 فبراير 2018

أصوات

في ثمالة قديمة اكتشفت أن "فايزة أحمد" هي أجمل صوت نسائي نطق حرف "السين" عبر التاريخ، ومنذ عرف العرب الأبجدية.
في ثمالة أخرى، حاولت تأصيل هذا الكشف العبقري من وجهة نظري؛ بأصوات نسائية أخرى، والتركيز على الانطباعات والإحالات التي تحدث وأنا أسمعهن. فوجدت أن صوت "هدى سلطان" كان يحيلني لحلاوة المولد. وحين أسمع "شادية" فأنا يقينا في رحلة سعيدة. وحين أذهب مع صوت"صباح" أرى بيتا للعائلة، تجمَّع فيه كل فرد فيها، يهللون ويمرحون، بينما ظل الانطباع الأكثر رسوخا مع الوقت إنني مع صوت "ليلى مراد" قد تم دعوتي لحفل عند ناس أولاد ذوات فعلا.

لم يتعاطف أخي الكبير مع صوت أم كلثوم. ولم أضبطه متلبسا بسماع واحدة من أغانيها إلا نادرا. وحين امتلكت جسارة مناكفته. سألته عن السبب. فقال عبارته الخالدة: صوتٌ مستبد، وأنا أكره المستبدين. ولأني كنت أحبه ولا أريد الانسياق وراء ميوله بلا وعي، كنت أناكفه واستفزه بالراديو، وخصوصا من إذاعة أورشليم القدس التي كانت تذيع يوميا أغنية لها. وأزعم وأنا أتجاوز الخمسين من عمري إنها الصوت الذي علمنا نحب، وتجلت في أغانيها متعة الحب وعذاباته، والغريب عبـَّرت عن كل أحواله بصدقٍ موجع.

لست أدري في بواكير الشباب لماذا لم أتعاطف مع صوت "وردة"؟
كنت أظنها تغني بالقدرة وليس بالإحساس. أشعر أني في فرح شعبي، غالبا في الشارع، أو فوق سطح بيت قديم. مع الوقت أدركت أن صوتها صوت مبروك، يُشعرني أن الدنيا بخير. أما عن "نجاة" وأختها السندريلا الراحلة، فلقد كانت الكلمة المركزية في صوتيهما هي الحضن. والذي يباغتك غالبا في الطقس البارد. فصوت "نجاة" كان يعني لي الاحتواء والدفء. بينما ظل صوت "سعاد حسني" يجعلني أشعر وكأنها تغني في حضني. ولي بشكل حصري، وبغناء هو أقرب ما يكون للغنج.

وصلني صوت"نازك" و"سعاد محمد" كتمثيل حقيقي لإشكالية الخذلان. فلم يكن صوتاهما يخلو من عبقرية وبلاغة أثر متطرفة. لكنهما لم يكونا جميلتي المُحيا. وللمرة الأولى رغم شيوع انحسار الجمال من ملامح بعض الأصوات الأخرى لكنهما افتقدا الحضور. 

أزعم أن صوت "فيروز" مرض وراثي في عائلتنا. ينطوي على معنى الصوت المركزي. نسمع غيرها ولاشك، لكن سريعا ما يأخذنا الحنين لصوتها من جديد. فأخي الأكبر كان يتصور أن صوتها هو محاولة من السماء لكي تعوضنا هذا الحرمان الأصيل من الأجنحة. فتقاطع غنائها مع حياتنا يجعلنا نفقد الشعور بالجاذبية الأرضية. بينما ظلت شقيقتي فرانكوفونية الهوى، ترى في صوتها آخر ما تبقى لعروبتنا من شموخ. بينما كنت وبشكل شخصي أشعر وأنا أستمع لها أن الزحام قد توارى، ولم يتبق غير صوتها وأنا. والعالم من حولنا محض فراغ. 

الجمعة، 19 يناير 2018

ماذا يحدث هنا ؟؟!!

منذ فترة وأنا أبحث عن إجابة لهذا السؤال. هل تواطأ الطحان بغيابه على مشروعه الشعري؟؟
(رغم كراهيتي المعروفة لهذه الكلمات.. مشروع/منجز).
لكن، ومع الاعتراف بشُح المتابعة أرى تجربة الطحان وكأنها ملقاة في العراء، ينهش فيها المدَّعون والمستسهلون. حتى إنهم لا يكتبونها وحسب، بل يلقوها على مسامعنا بنفس إيقاع إلقائه، وبذات الشجن إن أمكن.

قلت في حديث مع مُحب للعامية: إن أصعب ما حدث في العامين الأخيرين يكمن في انسحاب "الطحان" من جهة، وتوقف "مصطفى إبراهيم" من جهة أخرى. فالأول يمثل بالنسبة لي أهم من أنتج مفارقة في عامية هذا الجيل، والثاني من أهم من ينتجون النص العامي؛ المُحمل بالأنساق المعرفية التي تعطي للنص ثقلا معيناً حال تلقيه.

لستُ في معرض محاكمة غياب الرجلين. بيد أن الأزمة في نظري أسست تغييبا لنموذجين مُهمين، وأزعم أن النموذجين على قدر من الصعوبة إن حاول الشعراء استنساخهم. فاستراتيجية النص عند أحمد الطحان متى تم استنساخها ستؤول إليه في النهاية، فيظهر بجلاء عظيم التأثر. وكذلك فإن قصيدة مصطفى إبراهيم كنسق معرفي وجمالي قد يبدو استنساخها صعبا، لأنها تحتاج شاعرا مثقفا، أو على الأقل يجيد التأمل في تفاصيل مواضيع نصوصه، ويحسن التعامل معها شعريا. هنالك كانت آفة البحث عن نموذج التي أشرت إليها من قبل تتجه لخطابين شعريين آخرين لا يعانيان أزمة وجود. لكنهما لا يقدمان-غالبا- خطابا جماليا أو معرفيا  يستطيع التعبير عن حقيقة شاعر العامية كما أفهمه(رجل يمتلك موقفا من العالم يعبر عنه جماليا). بل وقد أذهب بعيدا إذا قلت: عامية الأمر الواقع، أو الجماهيرية إذا جاز الوصف.

للصدق لست في خصومة مع هؤلاء. رغم تقديمهم لعامية على معايير التقييم الفني قد تبدو ضعيفة أو تكاد. منظومة بأكبر من كونها خلقا إبداعيا. لكن نجاحها في السيطرة على الجمهور يجعلها مقبولة للباحثين عن النموذج الأكثر يسرا من غيره. ومن ثم تجاوز فكرة الاختلاف التي تؤصل فرادة الصوت الشعري وبصمته الخاصة. فحدث على ضوء الحالة هذه ذلك التشابه الملفت.

في حقيقة الأمر وهنا أخاطب المستسهلين، لا المدَّعين؛ لأن الحديث للمدَّعين يظل عبثيا إلى درجة:
إن الوقوع في أسر تقليد نموذج، يوقع النصوص في ذهنية قد تضر بالشعر، بمعنى أن الانشغال بالأسلوب وقاموس الشاعر الخاص الذي يراد تقليده، مؤكد سيغتال أفكارك الخاصة عن موضوع معين تريد الكتابة فيه. ستضطر للإيمان بالشكل وتغييب المعنى. والاستسلام للنظم والصنعة كتعويض لغياب الإبداع. والأصعب تعطيل مواهبك لحساب النموذج الذي تعتقده أشد منك أثرا وقيمة من وجهة نظرك، والمؤسف على موازين السوق، وليس للقيمة الفنية.  

لكن، وعند هذا الحد لم تنتهِ الأزمة. ففي العقل الباطن للشاعر الذي يتم تقليده تحدث إشكالية كبيرة. فعند لقاء شعر مُقلديه تأخذه العزّة أنه مصدر إلهام وغواية. في البداية يحاول أن يخفي هذا الشعور، لكنه يفشل، ومن ثم ينتحل غضبا مصطنعا أن الآخرين يقلدونه. رغم إيمانه أن قراء العامية يدركون هذا التأثر أو القليل منهم. فيحضر طيفه وأثره والآخرون يتلون شعرهم المتأثر به وكأنهم يؤصلون لصوته وعبقريته في إشارة مبطنة لأستاذيته لهذا الجيل. بيد أن ذلك الشعور المغوي، لن يستقيم مع طبائع الأمور. فهو الآن يقلدك، لكن غدا قد يتجاوزك ويجعل من تجربتك شيئا من الماضي. لأنك يقينا لم تتطور. ولم تتخذ من تقليدهم لك دافعا للتجاوز. وهذا المعنى حتى مع توفر أسبابه في محيط الشعراء. أصبحت أشعر به كحالة تواطؤ أكبر من حظيرة الشعراء. بل قد تنسحب على تدشين دور النشر لشعراء يكتبون بهذه الطريقة التي تكتب بها الأيقونات الحالية. في معالجة تجارية لفكرة أعمار جمهور الشعر واحتياجاتهم الضرورية من القصيدة. فنأتي بأصوات جديدة قريبة ومجايلة لجمهور التلقي. وهكذا تدور العجلة؛ لأن الأيقونات مؤكد ستكبر وتنضج، وبالتالي خطاب المُحن لن يكون لائقا إذا صدر منهم. وكأن المحن قد صار علينا قدرا محتوما.


على كل حال. مازلت مؤمنا أن الحقيقيين موجودون، وأن هذا الزحام سينحسر يوما. وأن العامية كالدنيا. من يصارعها هزمته.    

الاثنين، 15 يناير 2018

جليمونوبلو.. شاعرية الإيمان.

ثمة فرق كبير بين الإيمان المطلق، والإيمان المتوتر الذي تحركه الظنون. وفي حياة رجل مثلي لابد من قضية كبرى أحيا من أجلها. خذلتنا السياسة ومآلات الثورة، تسلل العمر من بين أصابع إرادتنا، أرتد القلب إلى حال البراءة الأولى؛ خال من البحث عن الحبيبة المستحيلة. أختطف الموت نصف جيلي أو يكاد، ولم يتبق لي غير العامية والخدرجي.

العامية.. يا الله!! شعر البسطاء والمنسيين. والعالم الأكثر طهرا ورحابة. بيد أن الراهن الذي تعيشه محبوبتي قد أتى عليها بالكثير من التشوهات. باتت تعاني من سيولة النظم والأفكار والاجترار. والتشابه الضاغط والتكرار الكريه.
هنالك كان ذلك الشاب النحيل يقف وحيدا منفردا، يغترف من روحه ودمه مداد هذا الحلم في عامية أقرب للتجلي.

لم تكن تجربة الخدرجي في زعمي تتحرك في عالمها بروح الباحث عن العامية وحسب، بل إنه المغامر القديم الذي يبحث عن الأرض الجديدة والبعيدة، التي تستطيع أن تستوعب أحلامه في الاختلاف. وفي سبيل ذلك مارس طوافا يكاد يصل لحيرة الفراش المولع بملاقاة قدره المحتوم محترقا في يقين الضوء. مؤسسا لشاعرية عالمه الخاص الذي يعيشه بكل تفاصيله. مستندا فيه على الرهافة، والدخول الشفيف لأزمة الذات والعالم. ويعيد ترجمة أصوات المنسيين والمهمشين بصورة أكثر حضورا وتأثيرا.

قد يبدو شعر الخدرجي من أول وهلة متساميا فوق الشعور الحاد بالأزمة، لكن حتى هذا المعنى لا ينفي الواقع المأزوم بطبيعته. بل قد أذهب لكون هذا السمت محاولة أصيلة للإقرار بصعوبة الحياة في تفاصيلها التي تتجلى على هذا النحو المفزع. فقصيدة الرجل في مبناها محاولة لخلق العالم المرجو، لكن في الكثير من معانيها تبدو لي كحصان طروادة، تبتغي اللحظة المناسبة لتحطيم كل مركبات الأزمة التي يكشف عنها الزمن وأهله، بل وأزمة العامية نفسها.

في هذا المنعطف، كان لزاما أن يتبنى الخدرجي خطابا جماليا خاصا يمثل الوسائل التي تمنحه هذا التسامي، وتستطيع بدورها أن تمرر رسائله الممتعضة حيال واقعه. لذا من السهل أن نلقى المجازات العميقة والمدهشة في آن. والحضور الطاغي لأسلوبية تتصاعد بالعامية لإنجاز أهداف شعرية وفنية أكبر منها. الأمر الذي يخلق من لغته مناطق أكثر غواية من لغة العامية في استخداماتها المعتادة. ولن أتحدث عن اللغة، فمتابعو الرجل يعرفون باليقين كيف يستعملها، ولا عن مجازاته المدهشة التي تنتج إحالاتها على أروع ما تكون الإشارات والتأويلات. بيد أن ما يبدو جديدا هنا أن العالم بتفاصيله قد بات متحدثا عن نفسه. الزمن يشكو مستجدات باتت غريبة عنه. والمكان يئن تحت ضغط التشوهات المستحدثة والتي أفقدته معنى أن يتسق مع نفسه، والشاعرية تصرخ من فداحة غربتها.  

"جليمونوبلو" ديوان بطعم العودة لأكثر من طريق. تبدأ من الذات مرورا بالواقع، لكن أي واقع. والماضي في كثير من الصور يحضر كإدانة للراهن الإنساني والشعري معا. حتى لتشعر في لحظة ما أن الشعر هنا قد تحول لاستغاثة رجل يستشعر عظيم الكارثة. يتحدث للنبي(ص)، وإلى الله سبحانه. يتوسل ويقر بذنبه؛ كي ينال التطهر المطلوب. وعلى الضفة الأخرى من النهر. سنصادف مونولوجاته العاطفية الرقيقة، التي تصدر حالة العشق في جلالها المثير، لكنها تعكس-كعادته- استحالة تحقق النموذج المعني بمشاعر الرجل الذي لم يهدأ أو يتوقف عن البحث. يا ربما وجده أخيرا. أو السقوط مجددا في آتون الغربة التي يجوز توصيفها بالغربة المرجعية. العصية على التحطم إزاء نموذج أنثوي على درجة من الغواية تستطيع أن تكسر الحصار الذي يمنع هذه الروح من التحليق في سماوات الحب بالصورة التي تتسق بدوره مع ما يتمنى.


أزعم أننا بصدد ديوان ثري. قد أخذ من روح صاحبه الكثير. لذا أدعو القارئ المحتمل لعامية الرجل أن يلتمس طقوس الشاعر في عرض مواجيده؛ كي يدرك أن العامية ليست هي كل ما يُطرح على ذائقة التلقي.    

الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

ساويرس.. للإبداع أم للتوازنات؟

جميل أن تـُؤسس للعامية جائزة على هذا القدر من الثراء اللافت. لاسيما وأن العامية كإبداع لا يعني مؤسسة الثقافة(الرسمية) في شيء. فلا ينتصر لها المبدعون من خارجها، تحت داع العنصرية والاستعلاء، ولا أبناؤها أنفسهم؛ أصحاب الطموحات المتواضعة، الذين يكتبونها، لا لتأصيلها كإبداع فاعل ومؤثر، بقدر ما لهم في العامية من مآرب أخرى. لذا، وعلى قياس المحبة اختار "ساويرس" أن تكون الجائزة باسم "أحمد فؤاد نجم" الشاعر الذي ظل لآخر رمق من حياته في خصومة حادة مع المؤسسة الرسمية. لكن ما أفسد يقيني في هذه الجائزة أن المحكمين( لأنهم مؤسسيون أيضا) قد سقطوا في مطب التوازنات ولو في اللاوعي. أو يا ربما سقطوا بحكم العادة.. ولأسباب منها..
-  شروط السن أغلقت الباب لمجاملات الشلة. (أغلبهم تجاوز الأربعين).  
-  معظم من يشاركون في التحكيم أحسبهم بعيدين عن إبداع الشباب وظروفه.
- غياب المظلة النقدية لخطاب العامية ومستجداته، جعلتنا متى عرفنا شخصية المحكمين وأهوائهم أن نراهن على الاختيارات. بيد أن طول القائمة(عشرة شعراء) قد فتح الاحتمالات لتأسيس التوازن. بغض النظر عن الإبداع وجدارته. ورغم كراهيتي للتصنيف. لكننا سنجد بنات وأولاداً، مسلمين وأقباطاً. ومؤكد سنرى شاعرا مؤسسيا أو يكاد. تكرمه مؤسسته الحاضرة في لجنة الجائزة من جيب ساويرس.

المؤسف في الأمر، ورغم أن الجائزة خاصة، ومنفلتة من المؤسسة الرسمية، لكننا نلاحظ نفس ضبابية المعايير التي تمنح على أساسها. قد أستطيع تفسير طول القائمة على اعتباره تشجيعا لشباب المبدعين. لكنك تصر على "ديوان مطبوع" رغم أن آليات نشر هذه الأيام تعتمد على معايير ليست فنية في معظمها. وبالتالي فسوف تنتصر لشعر قد يكسب جائزة، وهو باتفاق من يستطيعون التقييم قد لا يكون شعرا من الأساس. وعلى الضفة الأخرى قد تسقط الجائزة نفسها لو سمحت للمشترك بديوان مخطوط. فهنا سيحدث زحام مؤسف، قد لا يخدم الجائزة، ولن يمنح الإبداع الجيد فرصة الوجود. ولِم لا. فعلى مدار سنوات الجائزة على حداثتها، نطالع دواوين فائزة لا علاقة لها بالعامية، قبل أن تكون منقطعة الصلة عن الإبداع نفسه. لذا أرى ولا أدري كيف ستكون الآلية.. أن يكون لدور النشر آلية الترشيح، ووفق معايير فنية إلى حد مقبول، بل وتـُعاقب بعدم اشتراكها العام القادم إذا لم تحصل على أي مركز من بين العشرة. وأن يكون التقديم للجائزة بطول العام وينتهي في موعده المعتاد.

في حقيقة الأمر رغم سعادتي بالجائزة كونها تخاطب العامية، لكنها لم تقم بدفع العامية للاختلاف. أو الانتصار للقيمة الإبداعية. والدواوين على الضفة الأخرى لم تكن حريصة على هذا المعنى. ولست أدري ما هي دوافع العامية الآن. والتي تكتب بالقدرة والصنعة. ودون أن تمس إنسانية الشعر بمصداقية تؤثر فينا كقراء لا ينقصنا الشغف. وأزعم على ضوء المتوفر من معلومات أن عناوين دواوين هذا العام قد ساعدت إلى حد كبير في خسارة أصحابها للرهان على الجائزة. عناوين خلت من معنى الإشارة والمجاز، والاختزال المُحرض، بل كانت تدفع لأن تتلقى لجنة التحكيم المنتج الشعري بشيء من النفور والتحفز. لأنها بالفعل عناوين مجانية، غريبة وصادمة.

لا توجد ثمة مسئولية يمكن إلقائها على أحد وهنا الأزمة. فلجنة التحكيم تتلقى ما يُطرح عليها من دواوين، والشعراء والناشرون محكومون بقواعد ليست أدبية وإبداعية في معظمها.
إننا لسنا ضد الجائزة كحافز للإبداع. بيد أن العامية نفسها المعنية بالتطوير والوجود كإبداع جدير بالنظر والاحترام ستعاني من النمطية والاجترار، والمجانية، التي لن تخلق التعامل المحترم مع منجزها. ولاسيما أن الأدب الآن قد تخلص من قضيته؛ كي يتقاطع مع ممارسات تجارية أحسبها في خصومة حادة مع المعنى الحقيقي للإبداع نفسه.       

الاثنين، 4 ديسمبر 2017

لا حيلة في الرزق

آمنت منذ فترة. أن متعة العامية تكمن في سماعها. بل قد تكون إجادة الشاعر في حال المشافهة أعمق أثراً من مطالعتها مكتوبة. والسبب أن لغة العامية تظل مخترقة لدوائر التلقي بأسرع من الفصحى، وخاصة المقعرة منها. وفي كثير من الأحيان نؤسس علاقتنا بالشاعر على ميزان حضوره مسموعا ونسيانه أو نكاد مقروءا.{ الأبنودي مثلا} يملك حضورا شفاهياً يظل أكبر من قراءة منجزه مكتوبا.

على الضفة الأخرى ظلت العامية تقال في ندوات/ أمسيات. أحسبها باردة، وجمهورها على الأغلب شعراء. هنالك تجلت إرهاصة "الجخ" التي حوَّلت العامية إلى ظاهرة فنية، وأجواء إلقائها احتفالية إلى درجة، حتى وإن غلب عليها ما يمكن نعته بالتجارية. لكن، وبعيدا عن معايير التقييم الفني أراها ريادة تـُحسب للجخ، وليس التكسب من الشعر بخطيئة.

الحقيقة أن مشكل التعاطي مع العامية على هذا النحو لم يمنح الجميع فرصا متساوية. لأن الإجادة الفنية ليست وحدها الكفيلة بنجاح التجربة. فلقاء الجمهور بصورة مباشرة. وطرائق الإلقاء، وكاريزما الحضور، تتدخل بقوة كي تؤسس حضور الشاعر كظاهرة جماهيرية. سمات ليست متحققة عند جميع الشعراء. وحتى المجيدين؛ أصحاب مقومات الحضور المؤثر، باتوا يطورون أدواتهم من حين لآخر. تطويرا يستطيع بدوره مساعدتهم في إحداث الأثر المطلوب لأشعارهم متى ألقوها.. فمن الشعر فقط، إلى الشعر مصحوبا بالموسيقى، ومن ثم مؤثرات خاصة تتحرك في خشبة المسرح كي تكتمل عناصر العمل الفني، وفي القلب منها الشعر. ومن هؤلاء ولاشك الشاعر"عمرو حسن". والذي يؤسس لحضوره الإبداعي كشاعر يمثل النموذج الذي تُقاس على حركته الإبداعية حركة جيل كامل من الشعراء الشباب.

بطبيعة الحال عندي - بشكل شخصي- أزمة في قبول مستويات معينة من الإبداع. ولاسيما الذي ينطلق كي يتسق مع حركة سوق التلقي إذا جاز التعبير. لكن ليس من العدل أن توضع الموهبة على المحك طالما لم تمنحنا شعرا يرضينا. فتقييم التجربة الإبداعية لا يطال تقييمنا للموهبة. وخصوصا إذا كان الشاعر في الأساس قد قدم سابقا نصوصا مهمة، مفارقة ومختلفة، وتحتوي على إنتاجية شعرية مبهرة.
إذن أين تكمن أزمة "عمرو حسن" وغيره. وعلام تقاس تجربته الإبداعية؟

في صدفة صاغها قدري، قرأت "بوست" يتحدث عن حفل شعري في قصر ثقافة الفيوم. وحديث من المعلقين على"البوست" يتجهون فيه لسعر التذكرة. وقيمة ما سيحصل عليه الشاعر. وهكذا تفاصيل.        
في الحقيقة لم أكن أتمنى أن ينساقوا وراء أمور من الممكن أن تؤدي لتفسيرات أقل ما توصف به أنها مريضة وحاقدة. بل إن تربُّح قصور الثقافة من هكذا أنشطة أحسبه مطلوبا. للصرف على الأنشطة الثقافية الأخرى. وخاصة وبعد سبعة عشر عاما من الفرجة على المؤسسة لم أسمع من يناقش قضية فنية بأكبر من مناقشة (بون العشاء في مؤتمرات أدباء الأقاليم) أو بدل الندوة أو السفر. والحرب المستعرة بين المحاضر العادي والمحاضر المركزي، أو من يبحث عن فرصة نشر في مجلة الثقافة الجديدة لأن المساهمة قد غلا ثمنها!!

الغريب فعلا ما قرأته من تعليقات تتجه أن بالفيوم شعراء أكبر من "عمرو" فنيا وإبداعيا. حقيقة قد لا أملك يقينا ما يدحضها. لكن فقط أسأل الذين اهتموا بكم ما سيحصل عليه"عمرو" من أجر. فكتبوا ما كتبوا. أين أنتم من هؤلاء الشعراء. لماذا لم تشيروا إليهم، وتلقوا على منجزهم بعض الضوء؟؟   

لم يمنحني الوسط الأدبي ما هو أكبر من أزمة الوجود والتواجد. وأحسب أن المبدعين الذين خرجوا من رحم المؤسسة -إلا من رحم ربي- مشوهون لدرجة مؤسفة. وأظن أن أزمة"عمرو حسن" ومن هم على شاكلته من المتحققين جماهيريا أنهم يضربون النموذج. لا أقصد النموذج الإبداعي فلهذا مقام آخر، بل أعني الصورة النمطية لشاعر العامية. كونهِ إما أن يكون متسولا أو جربوعا. يبحث عن فرصة نشر، أو ندوة تأتي له بعلبتي دخان. أو مؤتمر من هذه المؤتمرات التافهة. والتي لا ندري. وهنا أسأل على سبيل الجملة الاعتراضية: أين تذهب توصيات هذه المؤتمرات، وهل أفادت الطقس الثقافي والإبداعي؟

ليس دفاعا عن أحد. بل إن المقربين مني يعرفون رأيي فيما يحدث. لكن آفة المحيط الإبداعي (العامية تحديدا) أن التنظير قد أصبح مجانيا إلى درجة وفارغا من معناه. ومسوغات الوجود فيه تنطلق من(الشلة) ونشاط المؤسسة نمطي ومقزز. لا يستقطب بقدر ما يُنفر. هنا من السهل أن تغادر وتؤسس صوتك الفرد. تستغل معطيات زمنك(السوشيال ميديا على إطلاقها). وتحقق وجودك الخاص بالمعطيات المتسقة مع إمكانياتك. قد تكتب لزمنك بشروطه. وقد تكتب بشروطك. تنتصر لوجودك وتستثمر مواهبك لكي تعيش. أو تكتب كي تبتغي ما يشبه الخلود. وأزعم أن إدراك بلاغة الأثر والتقييم الجيد للعامية لن يحدث قبل عشرين عاما. وإلى هذا الموعد، لنترك الجميع يضرب بعضه بعضا. وننتظر لنرى، ولكن، دون أن نصادر على السماء في تعاطيها مع مفهوم الرزق. فلن نبتهج ونحن نرى شاعرا عظيما يبيع مناديل على إشارة، أو يلقي أذكار الصباح والمساء لرواد مقاهي وسط البلد.

   

الاثنين، 18 أبريل 2016

كلام بالوقة.. نوستالجيا أحمد شبكة

 كلام بالوقة.. نوستالجيا أحمد شبكة


هي شاعرية تؤسس لإنسانيتها ونبلها، تنطوي على إحاطة شبه كاملة بالواقع وظروفه، وأزماته. أدركت- يا ربما- مبكرا دورها حتى لكادت تبتلعها معطيات حياة تتأرجح بين الضغط العارم لإثبات الذات وسط هذا الركام. وبين أن تمتلك الفرصة لأن تحتج وتصرخ وتعترض.  

بأي حال لا نعتبر"أحمد شبكة" شاعرا إشكاليا، لكن من الإنصاف أن نراه يكتب نصا إشكاليا على قياسات الآن بالضرورة. حيث يتبدى لقارئ العامية المتمرس أن الرجل لا يُشعِر بقدر ما يترنم. يغني غناءً ظل مؤجلا لآماد طويلة. ودون أن يصادر على وجعه الخاص الذي يجعل من هذا الغناء محاولة أخرى للبوح الشجي الذي يمارسه؛ كي يثبت أنه في البعد لم يكن منفصلا بالكلية عن هذا العالم الذي دخل معه في صراع مفتوح، فإما أن يتحول تحت الضغط إلى(ترس) أو ينفلت انتصارا لإنسانيته. لذا فإن كل نص نقرأه للرجل يبدو لي محاولة لتخليق هذا الانفلات الذي يتسق بدوره مع إنسانيته الرفيعة.

"كلام بالوقة" لم يكن ديوانا يحاول إبراز هذا الاتساق الضمني مع العالم وتفاصيله، فلا موقف الشاعر يؤكد هذه الحقيقة ولا نصوصه-غالبا- تحاول ترميم هذه العلاقة المرتبكة. ولا نلحظ بأي حال القصيدة الحلم التي تحاول خلق متواز وجودي يصلح لإقامة الرجل فيه. وإنما نقرأ محاولات مستميتة للصلح أو على أقل تقدير إيجاد أسباب تسمح للذات أن تحيا واقعها. مع البحث الدائم عن هذه البقع الفسفورية في قتام ممتد. الطيبة المختبئة في آتون من التلوث على إطلاقه. الحب الصرف المتسم بالندرة إذا ما قورن بهذا الطقس من الكراهية.

 بطبيعة الحال هناك صنف من البشر لا يطرب لأجواء الحرب وينأى بنفسه عن كل مركبات الجدل الذي لن يؤدي إلا لمزيد الجدل. فإذا كانت الكتابة بديلا للجنون، فهي كذلك محاولة مخلصة للذين ينشدون الراحة والتخفف.

إننا حين نربط الشاعرية بتحقق موقف معين من العالم. كنا فقط نؤسس سياقات نظرية يا ربما تساعدنا في كشف حقيقة المنتج الشعري وأهدافه. لكننا وعلى ضوء هذه التجربة وجدنا دورا آخر للشعر، تتمركز حول ما يشير لمحاولة الترميم للروح، أو مواساة الأحلام التي سبق وأن تعرضت للكسر أو الانسحاق. إننا حين نقرأ لأحمد شبكة. نلتمس كفا حانية بامتياز تتحرك قاصدة كل من يحتاج الدعم والتآزر، هدفها ذلك الكتف الذي أجهدته الإحباطات. أو تسعى لتجفيف دمعة من عين مُسهدة. لا تحقق تعادلية الأزمة بين الذات الشاعرة والقارئ المأزوم؛ كي يصبر ويرضى وحسب، ولكنها تدعوه لأن يرى الدنيا كما رآها ذلك الشاعر الذي لا يراهن إلا على البياض، وهذا النور مهما بدا ضعيفا.

سيقول قائل: إن الحياة قد اغتالت هذه الأنفس وحاصرتها. تواطأت مع حركة أقدار مجحفة؛ كي تُسقط هؤلاء أو تنفيهم. نعم ودون أن أميل هنا لمعسكر هؤلاء أو حزب الشاعر. لكن فقط أسأل. وكيف يتسنى لنا أن نوأد هذا التعاطي الذي يعيد لأرواحنا اتزانا نفتقده؟

إن الشعر هنا ضرب من تخفيف حدة الأزمة دون أن ينكرها. يشبه الدواء الذي يوقف شراسة الأعراض دون أن يشفينا بشكل حاسم. أو ربما يسعى بإخلاص لإحداث معجزة الشفاء. لذا سأقف للنهاية مدافعا عن هذا السمت الذي يتهم هكذا شاعرية بالفصامية، أو غياب المرجعية النفسية التي تستطيع كدأب كل الشعراء تأسيس كتابة مأزومة بطبيعتها، وسأغض الطرف إذا ما وُصفت –فرضا- بالكتابة المترفعة المتسامية التي تتلمس ضوءا في نهاية النفق.    

إن "كلام بالوقة" يحيل الماضي إلى إشكالية، وهنا وفي ظل شاعرية مرهفة إلى درجة كبيرة نجد محاولة ذرائعية لاستدعاء الدفء المفقود . إن مزاج النوستالجيا الذي يتسرب كثيرا في شعر "أحمد شبكة" والمتحقق في ديمومة ذلك الحنين إلى الماضي بتفاصيله. وحكاياته ومفرداته. لا يحمل سوى الإقرار الصريح أو الضمني بجليدية الراهن إذا ما قورن بهذا الماضي الذي يمارس الرجل حياله كل أشكال الحنين. جدلية تشكل عنده أعلى مقدرات وعيه، ورؤيته لهذا الواقع المأزوم. هو يقينا يرفض إلى حين الاشتباك مع هذا الواقع. لكنه برهافة التوجه يشير بأصابع الاتهام إلى هذا الراهن الذي لا يتفق أو يكاد مع هذا الماضي بمكوناته سواء في ضميره الإنساني، أو الفني. فلا يوجد ثمة مقارنة حقيقية بين الآن وهذا الماضي تأتي نتائجها في صالح الأول.

هو يدرك بالفطرة أن المعاني تراجعت. انزوى زمن البراءة البكر. والطيبة والبساطة، جوهر الفطر النقية، يدرك تراجعها، وحين أقول تراجعت أعنيها هنا؛ لأن شاعرية بهذا السمت لا تؤسس شعرا ينتج أحكام قيمة نهائية تنذر بزوال هذه المعاني من حياتنا في المطلق. إذن لنشارك الرجل أنها تقلصت، أو اختلفت، أو حدث ضمور لمركبات البراءة في حياتنا. لذا فإن كل نص أو يكاد يسافر في أهدافه؛ كي يستدعي هذا الدفء في مواجهة جليدية لحظة الكتابة. التي انفصلت الذات فيها واعية؛ كي تنتج شغفها بهذا الفرق الذي يؤسس في يقين القارئ هاجس المقارنة من جهة، وهاجس الأسى الشفيف حيال ما ذهب ولن يعود.

إن التأسيس الجدلي لهذه الحالة من النوستالجيا تأتي دائما بمذاق "أحمد شبكة" لا لكي تعكس مجرد حنين للماضي بكل مكونات براءته، وإنما تستدعي حالة أخرى من حالات الحنين إلى الطفولة ذاتها. لأن مركزية الماضي دائما تنطوي في تفاصيلها عند هذا المنحنى الذي يخلق جماليات الماضي، وما يحمله من ذكريات. حتى لو تماهت هذه الذكريات بدورها مع بعض المآسي العارضة. لكن حتى هذه الذكريات وما يغلفها من حزن. تظل الأحب والأقرب إذا ما قورنت بالأحزان الآن.

في حقيقة الأمر إن ذاكرة الطفولة خشنة بامتياز. تحتفظ بأدق التفاصيل. أحاديث الأجداد والجدات. العبث الطفولي وتجلياته. الأمر الذي ينعكس بدوره على ثراء فعل الاستدعاء لهذه الذكريات. شريطة بالطبع أن يوجد مكون ماضوي ينسحب بدوره كتفاصيل في القصيدة.

لا أريد التحايل هنا كي ما أعيد ربط النص بمفهوم إنساني يخص الطفولة كحالة. أو ربط هذا الحنين للطفولة كمركزية ممثلة لهذا الماضي رغم جدارة الطفولة لإنتاج هذا المعنى. لأن المؤكد هنا أن الشاعرية تقف على رصيد من التجربة الهائلة التي يدعمها عامل العمر، والخبرة بالتبعية. هذا بالإضافة إلى ثراء المكون المعرفي القادر بدوره على استدعاء تراث الذاكرة للتخديم على فكرة النص، والتي تبتغي الاستدعاء على المدى القريب. والمقارنة بين الماضي والراهن على المدى الأبعد. لذا لا نملك حكما قاطعا ونحن نطالع تجليات هذه النوستالجيا حال ربطها بمكونات الطفولة كحالة جالبة للاعتقاد بضغط واقع قديم جعل من الذات لا تشعر قيمتها في وقتها. أو يا ربما تعرضت لتعاطي مجتمع الكبار الذي ما ترك فرصة للاستمتاع بها. أقول ذلك لا لشيء بطبيعة الحال. رغم إيماني بمقولة"لاكان" التي ترى النص الأدبي جزءا أو يكاد من تاريخ صاحبه أو انعكاسا له. بيد إننا في الشعر لا نقرأ نوايا بقدر ما نقرأ حدوسا شعرية هي في الأصل منتمية لصاحبها دون الاحتجاج بها كقرينة لتحليل هذا الماضي نفسيا، وبالضرورة تأصيل شكل علاقة الشاعر بطفولته في إطار هذا الماضي المستدعى.

"كلام بالوقة" ديوان من الإنسان للإنسانية. ودعوة ذات خصوصية لإقامة ولو هدنة عارضة لمحارب تورطت روحه أن يرتدي زي القتال في معركة بالضرورة لم تكن لتشغله. لكن بحسبه أن ينتصر فيها للمعاني في براءتها. وللذكريات في بهائها الإنساني، وللمواقف النبيلة حين تتحدث عن نفسها.      


الثلاثاء، 12 أبريل 2016

وقت أحمد عايد.. 2/1

إذا كان الوقت هو المسافة المقطوعة بين لحظتين أو هو ما نسميه الوقت الفيزيقي. فلِم كان الوقت وقت أحمد عايد؟

في حقيقة الأمر لكل عنوان غواية، قد تفتح المتن الشعري المنضو تحت لوائه، أو إنه قيمة مختزلة لعناصر التجربة المخطوطة بين دفتي ديوان. أو على الأغلب محاولة مخلصة للتحريض. وأزعم أن كل هذه الأهداف بدت متحققة فعلا. لكن في علة الاختيار المسند لاسم صاحب المتن الشعري لا ندري إلى أي جهة نسير؟

نستطيع أن نستلهم خصوصية هذا الوقت بانفتاح إشاراته وربطها بالذات الشاعرة التي أنتجت نصوصها على هذا النحو. أو يا ربما علاقة هذه الذات بالظرفية التي تحتوي حركتها في تفاصيل ذلك الوقت. ولاسيما أن الوقت المعني بهذه الفاعلية لا يغرينا باعتبار أن الزمن والوقت في دلالتهما اللغوية والإشارية مترادفان. بل إن علاقة الوقت بالزمن قد تساوي عندي علاقة هذا وذاك. الأولى للقريب، والثانية للبعيد. وكأن ظرفية الوقت أكثر التصاقا بصاحبها. بينما الزمن تظل ظرفيته أشمل؛ حتى لتتجاوز الذات إلى ذوات أخرى ومضامين أكثر اتساعا.

إن ارتباط الوقت بأحمد عايد صاحب الحالة برمتها قد يؤسس لملامح تتسق دلاليا مع إشارات نفسية تعيد الاعتبار للذات، لا للانتصار لخصوصية هذا الوقت بالإشارة الصريحة للاسم. بل للانتصار للذات التي أنتجت وقتها الخاص من جهة، أو انفلتت بوقتها من عناصر عدة لأوقات لا يُمارس عليها أي إرادة من قبله. أو التأكيد لدوائر التلقي أن هذا وقتي أنا.

في تخريج آخر تبدو لي قيمة الإضافة بربط الوقت باسم صاحبه كردة فعل لسيولة أوقات أخرى سحقت أو انسحقت تحت وطأتها نفوس ذابت أو تلاشت مع هذا الوقت ومكوناته. إذن فذلك الربط في تأويلاته النفسية قد يذهب بنا للاعتقاد بكون الكتابة ذاتها محاولة للحفاظ على هذه الأنوية. التي باتت سياجا يحافظ على "أحمد عايد" نفسه ويحميه من مغبة الانسحاق في ظرفية أوقات أخرى ليس مسئولا عنها. ودون التورط منّا في نعت هذا التوجه لكونه نزعة لنرجسية ينتحلها الرجل؛ كي يؤكد لكون وقته هو الأهم والأبرز إذا ما قورن بأوقات أخرى.

إذن هو وقت أحمد عايد. الوقت المؤشر دلاليا بكل عناصره المتاحة{ الليل/ عصر/ الضحى/ الفجر/ الخريف.. وإن ظل الصباح هو الظرف الذي تكرر كثيرا كإشارة للبدايات وللاستهلال، أو يا ربما نتيجة لمقدمات ليلية لا تخلو من شجن وافتقاد} رغم أن الديوان في علاقته بالوقت يعكس في مجمله إرادة انتخابه، لأنه بالضرورة كان للبوح واستجلاء الرؤى التي قررت في ثنايا هذا الوقت أن تعلن عن كل هذا المخبوء. الغريب أن كل الرهانات التي حاولت أن تصادر على ماهية هذا الوقت قد باءت بالفشل أو تكاد. فالوقت لم يبد مأزوما بالكلية رغم توافر مكونات الأزمة التي يمكن أن نلمسها دون جهد....   

أرفع النبرات مدعيا شجاعة فارس أسطورة
والخوف يملؤني
فكيف سأحرس الأشياء
والأشياء تجهلني وأجهلها.

أزعم وقد يصح زعمي أن الخطة التي سبقت فعل كتابة النصوص كانت على أعلى درجات الانضباط الرؤيوي، وتدرك باليقين ماذا تريد من هذه الكتابة. اتخذت منطق السباحة حول مضامين الأزمة، دون التورط العميق الذي يجعل من النص ضاغطا حد الألم. لا أريد هنا أن أقول: إن محاولات تبسيط الأزمة وعناصرها كان حاضرا، ففي ذلك ظلم ولاشك. لكن ما نستطيع التدليل عليه. هو إعادة توزيع الهموم الخاصة وتحديد شكل العلاقة بين هذه الهموم بمضامين الواقع لحظة لقاءه بتصورات الرجل حياله. لم يكن تهوينا بأي حال، بل أحسبه تساميا فوق الأزمة ومكوناتها الطاعنة. التي من شأنها التعويق الذي ينعكس بدوره؛ كي يُلمح بحضور ذات على قدر من الهشاشة أو تكاد. لذا وجدنا تعاطيا على درجة كبيرة من الرهافة. تخلى طوعا عن هذه اللغة التي تعمق الإحساس ببشاعة الواقع المتماس مع هذه الشاعرية. لغة على درجة من الصفاء البنيوي لا تحمل أنساقا ممتعضة في تطرف، أو كارهة بإلحاح.

بطبيعة الحال ظل الموقف من العالم هنا لا يحمل أي معنى للانسجام الكامل، الاختلاف المتصادم، أو التورط في إشكاليات كبرى، فالرجل يدرك- يقينا- الأزمة، لكنه يؤسس عوالم متوازية قادرة على تجاهلها. أو على أزمات أكثر تخففا وتحللا من عناصرها في ثوب القتام.

إننا نلمس فيوضات تتناول عناصر الرؤية الخاصة حيال مواجيد نفسية تسير بأقدام تكاد لا تلمس الأرض. تسعى بدورها لإبراز معاناة الإنسان ولاسيما المبدع. الذي يريد أن يختط طريقا أقل وعورة، وأخف وطأة، وبأقل خسائر ممكنة للروح. 

إن إشكالية هذه الكتابة – في نظري- إنها لا تنتحل محدودية الرؤية أو أحادية الموقف حيال ما تطمح إليه وطرق تحقيقه. ولا تؤسس لاغترابها كمرجعية تحاكم عالمها. محاكمة تتسم بالإهانة والتشويه. فبحسب الرجل أنه شاعر، يطارد القصيدة والأفكار البكر، التصورات المتجاوزة، شاعرية تسعى لتحطيم النموذج الذي يرى في الاحتجاج العارم مجدا، أو في الصراخ الممجوج قيما فنية تصل بالشعر إلى أقصى درجات التواصل. بل إن هي إلا كتابة تحاول رأب صدع الذات أو إقامة حدا مقبولا من التوائم مع المفردات المأزومة والتوائم الكامل مع مكونات البراءة التي تستطيع أن تنتصر للإنسان في معناه ومبناه قبل أن تنتصر للعالم المرتجى، الذي ينهض فوق ركام كارثة لا تريد الذات الشاعرة أن تقف كثيرا عندها.

هل يكتب الآن قصيدة ً
أم يرتب وقته في دفتر ٍ
أم يقرأ الصحف الرتيبة
أم يداعب قطةً  


في حقيقة الأمر إن الشاعرية التي تستطيع أن تجلب إرهاصات متعددة داخل إطار واحد هي في الأساس تدرك أنها في طور الانفلات من براثن أزمة واحدة إشكالية قد تسيطر على المنتج الشعري إجمالا. لذا لم يساعدنا المتن الشعري على اختلافه وتنوعه أن نتبين ما هو أبعد من المعنى الإنساني للأزمة، ومن جهة أخرى لم يمارس إلحاحا بتفاصيل أزمة واحدة. لذا من الظلم بمكان أن ننعت هكذا معالجة بكونها قد شتت التجربة، بيد أن الإطار العام الذي يحكم الإرهاصة يكمن في وثوبها فوق التقليدي من الشعر الضاغط من أجل عوالم أخرى إنسانية وشفيفة.  

ماذا فعل الله ببلال فضل؟

  في المبتدأ لن أميل لكون ما سأكتبه نقدا أو مراجعة، أو حتى رأي انطباعي، رغم الاعتراف بوجود الغواية الكافية؛ كي أتصدى لقراءة الرجل وأنا مُحمل...