الثلاثاء، 26 يناير 2016

غواية العامية في "ترس" أحمد شبكة

غواية العامية في "ترس" أحمد شبكة
أنا كنت تِرس...
الاختلاف بيشقّقه 
حاول زمانة يِعَشّقُه 
قام عَشّقُه... 
في الناس و ليلهم و الغناوي و القمر 
عاشر بشر 
و امّا اتحشر 
كسّر سنون كل اللي سَجَنُه و صَدّقُة
و شَتّ عن كل التروس 
حرّر خلاصات الدروس 
و حلف يدوس 
علي كل جرح و كل طوق 
وعاش بدهشه و عاش بشوق 
و برغم كل حموله... برضو نَطّ فوق
و نادىَ علي كل التروس المُحبَطة 
يا كل مَتروس في الحياه 
يا كل عشمان في الغطا 
عيش و ارتعش 
في مواجهة البرد الحزين
ماتخافش من بُطء الخُطا 
ما تخافش من جَري السنين 
و لا عَصرِة القلب البتول 
و اصرخ و قول... 
شهد البدايات في التعب 
فشل التجارب كان سبب 
للمعرفه 
ثم الوصول 
الاختيار مالهوش اصول 
الاختيار محتاج جنون 
يا تعيش مِعشّق ع الطريق 
يا تعيش عشيق 
من غير سنون 
و انا كنت... ترس
***
رغم إن دوره ميكانيكيا ينحصر في نقل الحركة دورانيا حيث تتعاشق أسنانه مع ترس آخر؛ الأمر الذي يسمح بنقل القوة والحركة بدون انزلاق.. إلا أن في هذا النص (الشعري) ولعلي قد أضطر في لحظة ما لتبرير هذه الأقواس. قد تم استجلاب هذا الجزء الميكانيكي المحض؛ ليعبر عن ديمومة الأزمة والانسحاق، وربما التلف الذي يقاوم في استماتة؛ كي تستمر حركة الذات في هذا الطقس اللاإنساني.

لم يكن "أحمد شبكة" يؤسس نصا بطعم المجانية، ولا على الدرجة نفسها ينحت رمزا مستغلقا لا يمكن تأويله. بل إن مساحة المسكوت عنه تظل في رأيي تفجر دلالات الرمز، والذي يبدأ غالبا من معاناة الإنسان مع حياته، ودراما أزمته التي تبدأ من أحلامه، وسبل تحقيقها. الدراما في معناها الحقيقي، والتي تعني الصراع بما تنطوي عليه هذه الكلمة من دلالات. صراع الوقت والظروف والأقدار، حتى في منحى صراع التعرض المباشر للخذلان والفشل. من هنا كان النص يمهد بالرمز، وبلغة نقية تنسحب مؤقتا لحساب هذا الترس، والذي هو بطل العرض الشعري برمزيته، ومفتتحه.

{ أنا كنت} منطلق كتابي قد يعني خصوصية الحالة، لكنها لم تشأ أن تصادر على الآخر الذي قد يشارك الذات معنى الانسحاق الذي تؤسس له هذه الحقيقة كونه ترسا. لكن، وهنا ودون الانتقال لأحكام قيمة لا مكان لها. ظلت الرغبة في الاتساق هدفا للذات..

الاختلاف بيشقّقه 
حاول زمانة يِعَشّقُه 
قام عَشّقُه... 
في الناس و ليلهم و الغناوي و القمر 
عاشر بشر 
و امّا اتحشر 
كسّر سنون كل اللي سَجَنُه و صَدّقُة
و شَتّ عن كل التروس 
حرّر خلاصات الدروس 
و حلف يدوس 
علي كل جرح و كل طوق 
وعاش بدهشه و عاش بشوق 
و برغم كل حموله... برضو نَطّ فوق

لم تدخل الشاعرية في صراع مفتوح مع العالم. فهو ترس يدرك يقينا حقيقة دوره، لذا كسبت الشاعرية والصنعة الفنية معركتها وهي تصوغ هذا الجناس{ يعَشَّقه / عَشَّقُه} والذي يؤيد محاولة الاتساق أو الانسحاب البريء من آتون هذا الطقس المؤلم، لكن طاقة الزمان تظل أقوى من إرادة الرجل، فألقت به في البشر وتحولاتهم وتفاصيلهم.

في حقيقة الأمر لا أستطيع تجاوز الفطرة التي تجلت هنا (في الناس) كان من الممكن أن تكون بالناس، لكن تظل(في) بكل ظرفيتها تعني الانغماس الكامل مع البشر. لكن ورغم قدرية هذه الحركة الحياتية كونه ترسا، فالرجل قد كسّر السنون لكل من حاول أن يسجنه في سرمدية هذا الدور المُهلك.
على الضفة الأخرى من النهر تم أنسنة الترس الذي تعاطى جيدا مع تراث التجربة، وقرر وأراد، وانتقل طوعا من هذا الدور؛ كي يمارس انفلاتا يرضيه.

بطبيعة الحال في هذا الجزء من النص لا تتجلى وحسب عبقرية الكتابة بقدر ما تظهر عبقرية العامية ذاتها، بل وحساسيتها أحيانا. لأننا لو سألنا –مثلا- أيهما أدق دلاليا{ شت أم شذ} بالضرورة تظل شذ أدق بكثير من شت لسببين يحددان مفاهيم الإحالة. فـ "شت" تعني فردية الانفلات. ولا تفسر معنى الانتماء لشيء. بينما (شذ) فيقيناً تفسر حضور مجموع قد رفضته الذات الشاعرة في وقت ما، مجموع بشري إنساني ذابت فيه إرادات كثيرة حان وقت الخروج على ما كان يحكمها من قواعد وأفكار. لذا لم يكن تجاوزها كمفردة نابعا من حقيقة دورها الدلالي، بل تجاوزها الرجل لسهولة تأويلها على غير هذا المعنى، وهنا أقصد في حظيرة العامية تحديدا{ فشذ} قد تنحرف لمضامين أخلاقية لا يحتملها النص.

{ عاش بدهشة وعاش بشوق} تركيبة شعرية إذا استقرت في يقين قارئ العامية كونها بسيطة، تُظلم ظلما بيـِّنا. رغم مغادرتها لطبيعة المجاز التقليدي. لكنها تنطلق من مفارقة الدلالة قبل مفارقة نظمها على هذا النسق.  سطر شعري يفجر العديد من الأسئلة.. فمتى تعيش بشوق. بعد أن تعيش - يقينا- مندهشا؟؟

أزعم أن الدهشة قد تأتي كضد واضح لكل ما هو نمطي وتقليدي، فالتكرار على وتيرة ثابتة أو تكاد يجهض أي دهشة، ورغم طبيعة الرمز الذي استندت عليه فكرة النص، والتي تؤسس بدورها لكونها "ترسا" فهي بالضرورة منتج حقيقي للنمطي والمكرر، فالرجل لا يؤسس لانفلاته كخروج سلبي من هذا التكرار، بل إن الحياة بعد هذا الدور الوظيفي قد صارت جديدة بالكلية، وطالما هي كذلك فلسوف تنتج دهشتها. وكأن هناك ثمة قطيعة حدية بين أمس هذه الذات {الترس} والذات الجديدة الأكثر تحررا. ولأن الحياة بعد هذه التجربة قد تخلصت من مللها، فلا أقل من أن تحيا هذه الروح بشوق جارف يليق بالحياة الجديدة. فحياة بمثل هذا الشوق تعني الشغف المستمر الذي يراهن على جديد دائما تحت هذه الشمس.

لم تكتف الشاعرية بأن تنفلت منفردة، وتبحث عن حلولها الخاصة التي تدفعها لأن تخرج من كل ما هو نمطي، أو للدقة كل معاني الحياة الآلية والتي يغلب عليها هذا الكم من المعاناة. وهنا..    
و نادىَ علي كل التروس المُحبَطة 
يا كل مَتروس في الحياه 
يا كل عشمان في الغطا 
عيش و ارتعش 
في مواجهة البرد الحزين
ماتخافش من بُطء الخُطا 
ما تخافش من جَري السنين 
و لا عَصرِة القلب البتول 
و اصرخ و قول... 
شهد البدايات في التعب 
فشل التجارب كان سبب 
للمعرفه 
ثم الوصول 
الاختيار مالهوش اصول 
الاختيار محتاج جنون 
يا تعيش مِعشّق ع الطريق 
يا تعيش عشيق 
من غير سنون 
و انا كنت... ترس

اعترف إنها المرّة الأولى التي أصادف فيها(رغم قلة ما قرأته عموما للشاعر} هذه التقنية التي ربما لم تكن لتهتم بالتصوير بقدر ما تهتم بفاعلية البوح، أو السعي لعرض موقفها من العالم قدر ما تسمح الإبانة. فالنصف الثاني من النص عبور خجل على الصورة في حقيقة الأمر{ التروس المُحبَطة} { البرد الحزين} حتى وصلنا لمستوى من الصورة يقترب من الإدهاش الحقيقي { ماتخافش من بُطء الخُطا/ ما تخافش من جَري السنين}{ ولا عصرة القلب البتول} والتي نافست بدورها كل صور النص في التجاوز من حيث تصميمها ودلالتها. لكن هذا لا يمنع بأي حال روعة التصميم، وهنا أعني براعة النسج للجملة الشعرية الواحدة، وتأسيسها الجيد لإنجاز الأفكار العامة للنص وأهدافه.

ربما أستطيع تفسير ذلك فنيا، دون الدخول في متاهات التفسير التي تتجه للشاعر ذاته. والتي عادة ستتجه لاستنطاق نواياه بصورة لا تتسق مع ما نريده هنا من الإشارة الموضوعية لنص أحسبه جيدا. لذلك أقول: إن للترس كرمز ثمة كاريزما قد تغتال الرغبة في التصوير. وحتى إن سعت الإنتاجية الشعرية للتماس مع المجازات المتاحة؛ فلن تكون في قوة ما نشعر به حين نستدعي صورة الترس وإحالتها على حقيقة دورنا في هذه الحياة. لذلك أيضا وجدنا قاموس الرجل ينجز بساطته كأروع ما يكون دون تعالي أو فوقية يمكن الصدام معها. وعلى الضفة الأخرى وجدنا ما تيسر من عناصر الصنعة الفنية. التأسيس على القافية دون افتعال. الدوران على الجناس في محاولة إضافية لرفع مستويات الموْسقة. سيطرة الفعل المضارع الذي يتسق مع الاستمرارية المطلوبة للتحول والمضي فيه.

بطبيعة الحال يُحسب لهذا النص إنتاجه لعلاقات مباغتة في معناها ومبناها. سواء (البرد الحزين). والذي يفسر بدوره النصيحة الغرائبية (عيش وارتعش). (متروس في الحياة) بانغماس مفردة "متروس" في العامية لمستويات عميقة جدا. إنتاج الحكمة دون ارتفاع الصوت( فشل التجارب كان سبب للمعرفة). لكن يظل السؤال إلى أي مدى كانت علاقة هذه التجارب بالقلب؟
اللافت فعلا أن الشاعرية قد استثنت بانسيابية غريبة خضوع هذا القلب لتراث التجربة، وهذا ما يفسر قيمة هذه الصفة المضافة للقلب بكونهِ بتولا. كي تعلن بوضوح عدم خضوعه لعناصر هذه الحياة الكفيلة بأن تجعل من هذا القلب ملوثا بالتجارب الأليمة والطاعنة.

لاحظنا أيضا ثقة مضمرة في غواية فكرة النص، ثقة ربما أنتجت دون قصد رغبة في عدم التعالي على التكرار والسير معه لنهاية الهدف من هذا الديالوج من الذوات التي تتشابه مع مصير الذات الشاعرة هنا. { يا كل/ يا كل، ماتخفش/ ماتخفش، الاختيار/ الاختيار/ يا تعيش / يا تعيش}.

في حقيقة الأمر لا أدعي النجابة، فلو كنت مكان هذه الشاعرية لتوقفت كثيرا عند هذا الترس الإشكالي، ربما لأني-يقينا- أكثر قتاما من شاعرنا. لكنه وعلى ما تيسر من شواهد شعره. يظل الرجل ينتقل في نصوصه بإيقاع فراشة تتلمس الضوء مع يقين الموت إذا اقتربت.. هو على كل حال لا يريد أن يعيش هذه التجربة ويموت في يقين الضوء. لذا أذكر أن قلت في معرض رأي انطباعي إلى درجة: إن قوة النص عند "أحمد شبكة" تكمن في مفتتحه، وبشكل لا يعفينا من الإحساس بأن النهايات لن أقول قد كسبت معركتها مع شاعريته. بيد أن الرجل- ربما- يستجيب للاوعيه وينتج نصوصا غير إنها جميلة، لكنها تريد تعويضا ما؛ لزمن لم تكن الكتابة جزءا منه. لذلك تأتي خواتيم النصوص رغم جمالياتها أقل نسبيا من البدايات. نصوص أحسبها تتوقف قدريا، دون أي مسئولية من صاحبها. وربما هذا ما يفسر غلق النص بنفس الجملة الشعرية التي بدأ بها{ أنا كنت ترس} وكأن إشكالية الترس قد وضعت نفسها كقوسين لمعاناته.

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

أحمد السعيد / العامية في ثوب التجلي

أحمد السعيد / العامية في ثوب التجلي
1/2


الأرض أُمّ المعجزات
 
والفلاحين مش أوليا

 
لكن لهم كرامات

ربّك تبسّم للي شكّ وقال
:
(أُنظر الى الأرض البوار
إزاى بنُحييها ونكسوها خَضار

ولنَجْعَلك آيه
)
الفلاحين قالو
:الرّب ليْه فى كل شئ غايه
.
 
دايماً بيبهرنى بطريقته ف النجاه

وازاى –بصدره بس – واقف للحياة

واشمعنا هوا م
ابعش روحه من زمان
وازاى –بمحض ارادته – وزّع جِلده ع العيله أمان

 
وازاى محافظ ع الإيمان
 والعيشه كُفر الكُفر
ازاى طلع من تحت تحت الصفر

 
نفّض هدومه وابتسملى وقال
:
الحاجَه أُم الصبر

.
 
شُفته

بيشدّ نور الصبح يوميا

من بين سنان الليل

 
و يشدّنى م التوهه فى التأويل

مارتاحش ليه ومسابش لحظه تفوت؟
 قاللى:
(الرّاحه هيا انّك تكون قدّ التعب
والعجز موت
)
بصّيت لقيتنى لسه حىّ
ارتحت
هامش
/  النّص أقرب ما يكون للنحت
.
 
شخص بْتواضع شمس آخر اليوم

 
إزاى تسيب دور البطوله للقمر

رغم انّه أصلا مش مُضئ

هوا اللى مهّدلى الطريق

هوا اللى قاللى ازاى أكمّل سكّتى مستناهوش

وازاى أأجل دمعتى لمشهد أخير بعد الستار

 
فمَمثّلوش

وازاى أدوّر ع الإضاءه ف حته برّا الكادر

 
وازاى أخلى الضعف سر
ّ
وازاى أخلّى لنفسى صدر بْعضم ضهرى

أنا
.. من يوم ما علّمنى المواجهه
بطّلت أجرى

.
 
كلّمته عن ضعف الغلابه المحقونين بالقهر

قالّى
:  الأرض صابره
 
اللى انتقم للطينه من دوس الجبابره

نفس اللى عطّرها برفات الصالحين

 
بس احنا شفنا الكُلّ قبر

كلّمته عن جيب الفقير اللى اتنهب

عربون مقاولة

قالل
ي:  الفرحه أخت المال رضاعه مش نسب
والدمّ أولى

.
 
كلّمته عن حزنه و عمره اللى اتسرق

قاللى
:  الدمع بيبوش ف العرق
و العين مش اصدق م اللسان

الرّز أكتر بهجه من ورده لجعان

أنا عشت للدنيا 3 ادوار و حتة أرض

و عشت لاخواتك دراع و جدار وشيش

و عشت للدولة موظف ف الحكومه و عِشتلك

مفضيتش اعيش

.
 
للعلم بالشئ ومن باب الأمانه

نَصّ الكلام متقالش حرفياً

أنا

-
ولأنه كان معجون تعب دايما
-
كنت اكتفى بهدوءه توجيه للرضا

 
ف استنى واجمد

هوّا

 
علشان مهوّاش من هُواة الفضفضة

 
وفّر على نفسه الكلام

 
سمّانى أحمد
!!

***
لا تتحد الرغبة في إنتاج الحزن والشعر إلا في تجارب إنسانية حقيقية بامتياز، مع رصيد متطرف من موهبة التعبير الشعري الدال، والمؤثر. هي تجربة قادمة ولاشك، ما لم تعرقلها الحياة والبشر، أو يا ربما سقطت عنوة في آتون الظروف.

ليس من السهولة بمكان أن تصادف شعرا يضغطك على هذا النحو، يستطيع أن يحيلك إلى كتلة من التأثر الشفيف، حال التماهي مع وجع صاحبه، في جمل شعرية هي أقرب لترنحات طائر مذبوح. فالقصيدة هنا  تتميز بقدرة فائقة على الاعتراف، تتحسس مواضع التعرية والمواساة في آن. كما إنها تستطيع بسلاسة صادمة أن تورطك فيما يشبه لقاء جزء مهمش من دراما الحياة.

هو إذن ينتمي للصنف الثالث من الشعراء الذين لا يدفعهم إلى العالم أي دافع من وئام، أو يا ربما في خصومة مع تفاصيله. تتجاوز ما يمكن توصيفه عتابا إلى ما يشبه الطعن والتجريح. الأمر الذي يعكس بضراوة أن ثمة هزيمة قاسية وعنيفة قد تعرضت لها الذات، ربما في بواكير الاشتباك مع عالمها.  
الأرض أُمّ المعجزات
والفلاحين مش أوليا
 
لكن لهم كرامات
ربّك تبسّم للي شكّ وقال:
(أُنظر إلى الأرض البوار
إزاى بنُحييها ونكسوها خَضار
ولنَجْعَلك آية)
الفلاحين قالو:الرّب ليْه.. في كل شيء غاية



إن الاستهلال هنا كان معنيا برغبة التأسيس للجدال الدائر بين الأب و الابن الشاعر. اعتناء لم يؤسس للشاعرية في معناها المجازي، بل رحنا معه في لغة هي أقرب للذرائعية التي تستعد لإنجاز مواجيدها. مقدمة كانت تستقي من براعة الصياغة المعتمدة على رهافة اللغة، والسيولة التي تليق بشعر يعتمد على درامية الفكرة بأكثر من اعتماده على إنتاج قضايا كبرى لا يحتملها النص.

هنا سألت.. أين صدمة الصورة، أو البحث عن علة غيابها؟
في حقيقة الأمر النص إجمالا يبدو لي صورة شعرية  مكتملة الأركان، حتى وإن اعتمدت على ذاك الديالوج، وإن المتن المفتتح لم يخل بالكلية من المجاز، بل إن التصوير نفسه قد سار على نحو ما؛ كي يدشن أزمة النص والذات معا. لأن اللاحق لهذا المتن من متون شعرية سيشهد صعودا حادا للتصوير المبدع والمدهش. وأزعم أن الرجل يمهد لوجوده قبل الدخول للنص، يؤسس استهلالا يكشف عن شاعرية صنعت كل شيء: التقرير، التحفيز، التناص، سلاسة اللغة، القدرة على التوريط الدرامي لديالوج على درجة من السخونة، وإن لم يخلُ من حميمية.  

دايماً بيبهرنى بطريقته ف النجاه
وازاى –بصدره بس – واقف للحياة
واشمعنا هوا مابعش روحه من زمان
وازاى –بمحض إرادته – وزّع جِلده ع العيله أمان
 
وازاى محافظ ع الإيمان
 والعيشه كُفر الكُفر
ازاى طلع من تحت تحت الصفر
 
نفّض هدومه وابتسملى وقال:
الحاجَه أُم الصبر

في حقيقة الأمر عند مركزية الألم، وحميمية العتاب، لا يمكن الرهان بأبعد من لقاء هذه التقنية التي تعتمد الديالوج الشعري. وهنا نحتاج لأن نقف وقفة حيال هذا الملمح. لأننا – يقينا-  نقرأ حالة شعرية هي أقرب للتجلي، مأساة أكبر من أن تتحملها قدرات الرجل. لذا من الممكن أن يصادف قارئ العامية المتمرس شعرا بإيقاع الركض الخائف، فالقصيدة أو الفاعلية الشعرية إذا جاز التعبير تبدأ من منطلقات مرتبكة، متوترة، ومن ثم تنطلق الحدوس الشعرية في إطار لغة تم تأسيسها على إيقاع صوتي يوحي باللهاث، والاضطراب، حتى تصل لسطر شعري هو أقرب للموت، أو السقوط من شاهق. وكأن المتن الشعري الواحد يتوقف وقوفا قدريا، لا دخل للإرادة فيه. الغريب إننا لا نصادف الراحة ألا بالوصول عند سطر شعري منتم للحكمة{ الحاجة أم الصبر}. وهو السطر الذي يفض الاشتباك مؤقتا. كي نخفف إيقاع الركض، وسخونة الجدال، والذي يؤسس مزاج الحيرة لدى الذات الشاعرة التي تطرح أسئلتها في يقين الأب. بعد أن سيطر عليها انعدام اليقين والجدوى.

في هذا المتن ارتفعت الإنتاجية الشعرية نسبيا، بدت المفارقات التصويرية المنتجة للشاعرية وكأنها مجازات فطرية إلى درجة، تكشف مدى البساطة وارتفاع شكل الموهبة، مع إنتاج آليات التخييل عند الرجل. فلا يبدو الصدر في مواجهة الحياة سوى حيلة مجازية معلومة بالضرورة لدلالة المواجهة، لكن حضور بصدره (بس) تظل الإضافة الأعمق، في إشارة لفرادة المواجهة دون توريط الشاعرية في إلقاء تهم التخلي حيال آخر لم تذكره القصيدة. أما عن هذه الصورة المفجعة دلاليا والتي تجعلك تشعر ببعض القشعريرة حال تلمس ما تثيره في ذهن التلقي{ وزع جِلده} حينها من السهل أن يتمثل لديك حضور ذاك الجسد المنهك الذي أمتثل عاريا لفعل التوزيع الطوعي الذي مورس حيال شبكة الأب الاجتماعية التي لم تجد في إشارة عفوية وعبقرية في آن ترد على أصحاب القراءات البريئة لِم لم تقل الشاعرية {وزع لحمه} ففي مأساة تتسلل في هكذا نص، لا يمكن توقع غير الجلد المنهك. ولا نغفل ذلك الضغط المهم الذي لم يتعالَ على التكرار { كفر الكفر/ تحت التحت} للتدليل على عظيم ما صادف هذا الكيان الإنساني من أزمة شديدة الأثر.       

شُفته
بيشدّ نور الصبح يوميا
من بين سنان الليل
 
و يشدّنى م التوهه في التأويل
مارتاحش ليه ومسابش لحظه تفوت؟
 قاللى:
(الرّاحه هيا انّك تكون قدّ التعب
والعجز موت)
بصّيت لقيتنى لسه حىّ ارتحت
هامش/  النّص أقرب ما يكون للنحت

إن الحديث عن مأساة تقف خلف كتابة جاءت على هذا النحو ليس من قبيل المبالغة، بل إن التركيبة النفسية التي تتعامل مع ديالوج شعري بهذا الوجع، لا تعني تحت ضغط الشاعرية قدرة ما على إنتاج أزمتها، وبث تخريجات أخرى لمشكل الرفض الذي تماهى مع مشكل الرضا المنبثق من خطاب الأب في متن القصيدة، بل قد تغرينا للاعتقاد بتأسيس انسجام ظاهري مع حركة الأقدار{ الأب}، رغم احتدام الرفض في الداخل{ الابن الشاعر}.

بطبيعة الحال وكما سبق القول سترتفع آليات التخييل المدهش تدريجيا، فهنا الشاعرية تصول وتجول في إلقاء مجازاتها. من { شد نور الصبح/ من بين سنان الليل} صورة تشبه إلى حد كبير من فتح قوسا وأغلقه. وبتضاد عفوي بين الصبح والليل كان الحضور للصورة طاغيا جدا، مع إشارة لليل بعدم التفريط، الأمر الذي جعل الصبح عالقا بأسنانه، بل وقد نذهب لأبعد من ذلك إذا سألنا الشاعرية.. ماذا تبقى من هذا الصبح العالق بأسنان الليل سوى أشلاء؟ إذن قد نفسر دلالات الصورة لصبح مبتور المعني، صبح مختلف عن أي صباحات أخرى.
{ التوهة} البحر أو هي الغرق، بيد أن من المنطقي بمكان أن نعيد ربط الموقف الإنساني بالموقف الفكري هاهنا، لا لشيء، فالرجل يقينا قد جعل التوهة بشكل حصري لحساب التأويل. لذا جاءت(قاللي) لا لتؤسس إجابة ترضيه، وإنما لتضع حدا فاصلا لتصورات الذات الشاعرة التي أرهقها البحث عن تبرير مقنع لحركة الأب في الحياة.  وجملة القول. هي الأداء الحكمي الذي تتوقف عنده الشاعرية مؤقتا؛ كي تلتقط أنفاسها. جملتان لا يؤسسان وحسب للشاعرية، بل للمفارقة التي لا يمكن دحضها تفسيريا. فإذا اتفقنا أن الشاعر ليس ملزما بأي حال أن ينتج أحكاما قيمية، فإن الرجل هنا قد راوغ وهو يبتغي أن يؤسس هذا الحكم، لذا لو توقفنا قليلا لتفسير ماهية الراحة، لأدركنا أن الراحة تأتي في تكافؤ القدرة والجهد حيال الأمر المستحق لها. أو أقوى من(الجالب للتعب) على أضعف الاحتمالات. وعند من يفكرون بهذه الطريقة فمن الحتمية أن يكون العجز هو المرادف الطبيعي للموت.
لا أميل للمصادرة على نوايا الشاعر، لكن آخر سطر بدا لي إشارة لو تخلت عن (النحت) لكانت بمثابة من يؤسس انحرافا سرديا يعطي للشعر بُعدا من مراوغة للتخفيف من حمولة الضغط بوجع شخوص النص. 

 شخص بْتواضع شمس آخر اليوم
 
إزاى تسيب دور البطوله للقمر
رغم انّه أصلا مش مُضئ
هوا اللى مهّدلى الطريق
هوا اللى قاللى ازاى أكمّل سكّتى مستناهوش
وازاى أأجل دمعتى لمشهد أخير بعد الستار
 
فمَمثّلوش
وازاى أدوّر ع الإضاءه ف حته برّا الكادر
 
وازاى أخلى الضعف سر ّ
وازاى أخلّى لنفسى صدر بْعضم ضهرى
أنا.. من يوم ما علّمنى المواجهه
بطّلت أجرى

كنت ومازلت مؤمنا أن أهم مواجيد شاعر العامية عندما يلجأ طوعا لقصيدة المرآة، والتي تعني محاكمة الذات من الخارج. بيد أن هذه الآلية لم تخضع بالضرورة لشكل رؤية الشاعر، بل ذهبت أبعد حتى من هذه الرغبة؛ كي تنجز الدراما والدراما المضادة. يجعلنا نشعر بصوت الشاعر كصدى لصوت الأب أو العكس، وفي تنويعات شبه سردية تستطيع الانفلات بالانحراف والتعليق؛ كي يبث وجعا طاعنا وشفيفا أمام جمهور هو المشكلة، وظروف هي القصيدة.

طالما لا توجد قراءة بريئة للأدب، ففي هذا المتن الشعري من السهل أن أفقد موضوعيتي يقينا، لا لشيء، لكن لهذا التماس الحاد مع مناخ الاغتراب والنفور، وذاك التواصل المبتور مع العالم وتفاصيله. الأمر الذي هزمني إنسانيا حال التقيت به شعرا هنا.

ربما غاب الأب - لأول مرَّة-  من إشكالية الديالوج، غياب تكمن عبقريته في حضور ضده. وأعني هنا المونولوج. صوت الشاعر الفرد الذي يعتلي خشبة مسرح يبث ما علق من إشارات في ذاكرته، من آثار ومناقب ذاك النموذج الإنساني الفريد. وتحققت مجددا الفاعلية الشاعرية يا ربما في أعلى صورها. في تناسل مجازي مُبهر إلى حد بعيد. 

أزعم أن أي قراءة حاسمة أو تكاد للعامية ليست معنية بتفسير النص أو شرحه، إننا نبحث في بلاغة الأثر، مشكل التواصل مع الإدهاش، وحساب الدلالات، ومدى إنجازها لنوايا صاحب النص وأفكاره.
أبتدع الشاعر المونولوج الإخباري عن الأب. والتوصيف الشعري المتجه إلى صياغة المديح المأزوم لمناقبه أو كلماته التي قالها في معرض نصيحة، مديح ممتلئ بأطياف من أزمة قد تحيلها لنا شاعرية هذا الوصف.لذا لن نلجأ للمصادرة على ذائقة التلقي، وإنما سنشير بطرف خفي لشكل التناول الشعري ودلالاته..  {شخص بْتواضع شمس آخر اليوم}. يقال أن التشبيه يربط بين هويتين متباينتين بالضغط والإلحاح. لكن هل يجوز لرجل بهذا السمت أن لا يكون الشمس نفسها قبل التورط في التشبيه؟ إن شمس منتصف النهار أو التي تسعى حثيثا لغروبها لم تفقد في رحلة النهار شموخها وكبريائها في الحقيقة، وإنما قوتها اللافحة، لذا ربط الزوال بالتواضع الذي تأسست عليه الصورة تشير ضمنيا لهذا اللين والدعة، بيد أن ما يثير فضولي هنا كيمياء الفرق بين (في تواضع / بتواضع) ومن المعلوم أن (في) تعني الظرفية المتداخلة في مشكل التواضع، بينما بـ تواضع  تعني المصاحبة أو الرفقة. لذا كنت أميل نسبيا إلى (في) للدلالة على تماهي الشخص في ذاك التواضع. والتخلي عن الباء التي قد تعني عند التفسير السلبي أن تواضعه قد جاء منتحلا، وليس سمتا أصيلا فيه. رغم أنها في كل الحالات لم تفقد الصورة براعتها وبكارتها. مؤكد كان حضور القمر على ظلال هذه الصورة حضورا عفويا، بل أن تواضع الرجل الذي يشبه شمس آخر اليوم الساعية لغروبها وإيذانا بدخول الليل، قد جعل من ذاك النموذج الإنساني متعاطفا مع القمر الذي سيتولى قيادة المشهد(دور البطولة) بيد أن الانتصار  لتنازله الضمني لا ينفي بأي حال واستنادا للحقيقة الفلكية الجغرافية أن القمر معتم في ذاته، ويستمد ضوءه من الشمس حتى وإن بدت للرائي في زوال حاسم.

ربما يعتقد البعض أن الشعر لا ينبغي له التورط في هكذا أحكام، لكن عبقرية هذا الامتداد التصويري تظل أكبر وأهم من التخلي عن المعايير العلمية المعلومة بالضرورة عن عتمة القمر وافتقاره للضوء ما لم تمنحه الشمس إياه.
لا أميل عادة لتفسير الشعر أو شرحه، أو يا ربما المصادرة على نوايا صانع الحالة الشعرية، ودوائر التلقي معا. ولاسيما أن باقي هذا المتن قد تعامل مع منطق المفارقات التصويرية والتي تعني عبقرية الصياغة التي تحيلك للاعتقاد أنك أمام إنتاجية شعرية تقترب من كونها مجازا.

{وازاى أأجل دمعتي لمشهد أخير بعد الستار.. فمَمثلوش}. إن التأسيس المعكوس للبكاء المشير لضعف قد صار في حكم السلوك الإرادي، وكأن الضعف الناتج من البكاء يأتي بقرار. ربما سيقول قائل: أنه تعلَّم ذلك من سلطة الأب الحاضر في النص، وهذا صحيح يقينا، لكننا لا ندري إلى أي درجة تحققت هذه الإرادة التي سعت لتأجيل بكائها. وإن ظلت عبقرية التواري بالبكاء بعد نزول الستار.
 
في البحث عن الضوء خارج الكادر قد يحيل التأويل ناحية الجسارة أو خارج حدود النمطي. أو الطعن في مظهرية الضوء، فداخل الكادر قد يبدو الضوء مشكوكا فيه.

عند الإشارة لكيمياء المواجهة تعلمت الذات أن تؤسس لعظام الصدر المعني بتحقق المواجهة أن تكون من نفس عظام الظهر الأشد قوة. وفي شرطية حاسمة تعترف الشاعرية أن التراجع عن المواجهة، لا يعني باطنيا الخوف في حدود المعنى الأقرب، بل إن المواجهة قد عطلت فعليا آلية الركض، والتي تعني يقينا ما هو أكبر من الخوف. رغم أن { بطلت أجري} قد تؤسس للخوف فعلا. في مراوحة كنائية دالة ومعبرة أن يكون الجري معادلا للخوف وللتخلي في آن.      


الجمعة، 10 يوليو 2015

سامي العدل .. متعة أن تكون أبن بلد

في المناطق الخلفية مع الفراشين والعمال كانت المسافة التي تفصلنا عن الحفلة كبيرة نسبيا. ومكانها بالضرورة عبقري، ملاعب التنس بـ "جرين لاند" قصر المنتزه. مسرح مصمم بشكل جيد، إضاءة مبهرة، فرقة هاني مهنى الموسيقية. في ليلة من النصف الثاني لثمانينات القرن الماضي.
رجل طويل ورشيق، أذكره بدقة. يرتدي بنطلون رمادي في درجة من درجاته المؤثرة. قميص أحسبه حريريا من نفس اللون. حذاء كلاسيك رمادي أيضا، وفي يده علبة سجائر(كارتيير) سيجارة جُبلت أن أحترم من يشربها .

 يسير في هذه المنطقة. يتحدث، ويشرح أشياء لفتاة نحيلة، قصيرة بشكل لافت، وكذلك شعرها. ترتدي فستانا ورديا، جميلا وبسيطا.
لم يكن لتخطئه عيني ساعتها هو" سامي العدل". لكن كنت مندهشا وأنا أركز في وجه الفتاة كي أتأكد أن هذه هي المطربة سميرة سعيد التي نراها في التليفزيون.
نادى رجلا يعرفه وطلب: خد (سميرة) لمكانها. هكذا وبدون أي ألقاب. ثم عاد ليجلس وحيدا على طاولة بالقرب من العمال الذين يتحركون بشكل دائب. يتأمل المكان والطقس والقصر. لم تكن الصورة تعكس وقتها أكثر من مدخن شره. وكل تفصيلة في وجهه واضحة.. الأنف أنف، والعين عين. حتى لتحسبه وجها فرعونيا مما نراه على جدران المعابد. أتته قهوة. رشف منها رشفتين ونادانا نحن صعاليك مثل هذه الحفلات. نحاول أن نتصيَّد مكانا مناسبا للفرجة.
-         ناويين على أيه يا صياع؟
ضحكنا. شعرت أن صوته ضربنا. صوت قوي وعميق. الغريب أن دعانا، وأمر لنا بشاي نشربه، وعلى طاولته. وراح يؤسس حديثا منقطع الصلة عن "سامي العدل" الذي نراه على الشاشة. ابن بلد حقيقي، معلم بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كان الحديث منطلقا منه حول القصر، والملك فاروق، وكيف لمكان كهذا ليس به مسرح. الغريب وبعد عام أو يزيد أسس جلال الشرقاوي مسرحا وأذكر أن أول عرض كان مسرحية "بولوتيكا". أظهر ابتسامة ذات معنى حين قلت على أثر سؤال عن انتماءاتنا الكروية إني زملكاوي. بعد صمت قام الرجل وطلب مني أن أصطحبه وأودعني في آخر صف في الحفلة. وكأنه لم ير الاثنين الذين كانا معي. وتمتم بكلمات: لو كانوا زملكاوية مش كان زمانهم معاك. وأطلق ضحكة كأنها الحرب.

والآن مات "سامي العدل" لا لكي أحزن عليه، ولا على هذه الذكرى التي تفصلني عنها سنوات طويلة جدا، وحسب. لكن حزني الأشد على تواطؤ الرجل مع زمنه الذي لم يأخذ من رصيد موهبته ولو مقدار عشر منها. بل إن أعظم ما قدمه "سامي العدل" لمحبيه هي بصمة شخصيته التي كانت تحيل الورق العاجز إلى علامات من الصعب أن تنسى.  

الاثنين، 22 يونيو 2015

ياسر المناوهلي .. صوت الحلم المباح

قدرا أصادف صوته، وتحديدا في رواق اليوتيوب. مؤدٍ بارع، بلاغة تأثيره تكمن في صدقه، وإحساسه المتطرف بالكلمة التي يغنيها. وربما ذلك ما يعوض غياب الجانب التطريبي. العُرب والتريلات والزخارف والتصدير.

 الغريب في كل مرة أراه، يثب للمخيلة Ray Charles بنظارته السوداء، بيد أن صاحبنا مُبصر ، نبتهل لله أن يحفظ له هذه النعمة.

ربما حضر مع الثورة أو قبلها، لكن مع بواكير الحلم بالتثوير على أجنحة يناير، كان حاضرا، لا بشخصه، ولا بصوته وحسب، وإنما كجيل كامل، جيل كان منتميا للغياب القهري، صرخ بهدوء، واحتج في خجل العروس ليلة زفافها. وأزعم أن كل من جاء لهذه الدنيا في حقبة الستينات يشتمل على هكذا صفات. 

لم يكن ليدهشني لقبه رغم غرابته، وأنا يقينا لا ينبغي لي أن اندهش، فعمة أمي كان أسمها { لا يُعلم }. ولم تأخذني تقنية عزفه على الجيتار، رغم براعته اللافتة. أو تعاطيه مع كلمات أغانيه، في أداء يقترب من المونولوج الفكاهي، لكن عنده كثيرا ما يرتدي واقعيته الموجعة. لكن يأخذني دائما اتساقه مع نفسه، وتراجع مشكل وجوده لحساب قضيته التي يبثها فنا للناس. هو في يقيني مطرب الثورة الحقيقي، وربما الوحيد، والذي جاء من بعيد، كي يتنفس الحرية، والتي تعثرت قليلا قبل أن يكتمل مبناها و معناها. لكن على الواضح أنه مازال يصدح، متسلحا بإيمانه، وبيقينه إنه قد طلَّق الخوف ثلاثا، لا رجعة فيهم.      

الثلاثاء، 26 مايو 2015

لكم الشعر .. وللطحان رب يحميه!!

لا أدعي أن "حازم حسين" طاعن في العمر؛ كي تكون أحكامه حيال نص شعري هي تجسيد لصراع أجيال. ومن يذهب لهذا الظن مؤكد لا يعرف الرجل. فلن أتحدث هنا عن شاعريته وموهبته. بل، سأذكر أهم ما لمسته من حرص بالغ أن يأتي بالعامية المختلفة. ربما نتشابه في كثير ونختلف فيما هو أكثر،  لكن يجمعنا –بيقين- غيرتنا على العامية والتي تواجه آفة الزحام المعوِّق، وغياب مظلة نقدية تضع العامية الحقيقية في مكانها. ومن الموضوعية بمكان أن أعترف هنا إنني أكثر سلبية، هو صارع من أجل أن ينتصر لهذه العامية في ثوبها المختلف، وكنت أنا منسحبا يائسا.

 في حقيقة الأمر قلت: إن نص (زينب) هو أهم نص ظهر في الربع أو الثلث الأول من هذا العام. والغريب لم أصادف تعليقا واحدا يسألني لماذا هو مهم؟ وكأن (الفيس بوك) على ما يبدو غير معني بطرح هذه الأسئلة التي تنتج سجالا تحتاجه العامية. على الجانب الآخر قلت مرارا إنني لست مرجعية لأحد. وتظل آرائي كلها انتصارا للعامية حسبما أرى.

سأورد هنا حديثا لا أذكر إن كنت سمعته أو قرأته. سئل يوما رياض السنباطي هذا الموسيقي البارع. فيما تفكر وأنت تلحن لأم كلثوم؟ فقال:
أفكر في ثلاثة أمور: صوتها العبقري، وإمتاع الناس، وأقراني من الموسيقيين حين يسألون ما الجديد الذي جئت به في هذا اللحن.

لذا على هامش لقاء المنصورة مع الشاعر الطحان نفسه قلت: أن (زينب) عندي ما بين 12 إلى 14 متن شعري هم من يؤسسون للرجل كشاعر بالقوة والفعل. متون اعتمدت على مفارقات تصويرية ولغوية شديدة الإبهار والمفارقة، وقارئ العامية المتمرس يستطيع أن يلمس هذه المتون دون إي جهد. وباقي النص استلهم قوته من كاريزما الطحان، ومصداقية الحالة الشعرية نفسها. والتي بدت حتى من طريقة إلقاء الرجل، والتي بدت شجية وحزينة.
هو نص مهم، لكننا تعلمنا بحكم السن والخبرة وطول النظر أن هناك ثمة فرقا بين النص المهم والنص العظيم. وأزعم وليس المجال هنا للتفسير أن النص المهم ينتج شعرا، بينما النص العظيم ينتج بلاغة الأثر الذي يظل يتصاعد في كل مرة يُقرأ فيها.

قلت وعندي من الشهود الكثير على هذا الكلام: إذا احترم الطحان العامية وكان معنيا بتأسيس فرادته، وتخلى طوعا عن مزاج الكتابة لانتزاع آهات الجماهير، أو تقنيات الزجل القديم الذي يؤسس كتابة أقرب للريبورتاج؛ فإن أحمد الطحان سيحفر أسمه عميقا في هذا الجيل. رغم ما أراه من سيولة تجعلني متحفظا قليلا حيال هذا التقسيم للأجيال.

لا توجد خصومة لي مع أي شاعر عامية أيا كان هو، ولا أنافسهم، لا عن تواضع مني، وإنما لثقتي وإيماني إنني لست شاعرا أصلا. أو للدقة لستُ موجودا. لكني خصم عتيد لكل التجارب الشعرية المجانية التي تخرج بلا دم صاحبها وروحه وعذاباته. وأزعم أن الشاعر والصديق حازم حسين كما عرفته هو أيضا ليس في خصومة مع هؤلاء الذين عبر على أسمائهم. بيد أنه في خصومة مع الطقس كله التي تعرض فيه نصوص بطعم اللاشيء، أو طقس الشللية والذي هو يقينا ليس بجديد على واقعنا الأدبي، بل إن حازم نفسه قد يكون واحدا من ضحاياه.

ربما لن تسعفني فرصة تكرار هذا الحديث، ولاسيما إنني ممن يمقتون مسألة العراك الأدبي المجاني على الدرجة نفسها.
" إن كتابة العامية التي ترضيك أوردني المهالك" كانت هذه عبارة "عمرو حسن" التي قالها لي في ليلة من ليالي القاهرة، وفي حضور شعراء سكندريين وقاهريين على السواء. ولقد احترمت الرجل وصراحته. إذن هو يؤسس لوجوده، في هذه المرحلة على الأقل. لكن أشهد للرجل بشاعرية قد تطول النجوم إذا أراد.

أخي الحبيب حازم وأنت واحدٌ ممن يدركون حالة السيولة التي نحياها. إن ما يحدث في حظيرة العامية هو التواطؤ بعينه.
إن السؤال عن الجماهير في خطاب الفصحى والذي جعلنا نرى منجزها الآن مثيرا للشفقة لا يدفعنا مطلقا لأن نكتب العامية فوق مستوى الجماهير، وإن كنت مدركا إنك تريد عامية للجماهير، لا تقصد الاتساق معهم، بقدر ما تريد الصعود بهم. لكن يظل السؤال من منّا يمتلك جسارة أن يصنع هذا الطقس. ونحن إلى الآن نصارع المؤسسة الرسمية التي ترى العامية شعرا شعبيا فلكلوريا لا يستحق أي احترام.


من منّا يستطيع أن يعطي مقاليد الريادة لتجربتين منفلتتين من عامية الرواد واحدة صاغها حاتم مرعي(قبل ديوانه الأخير بالطبع)  والأخرى حمدي عبد العزيز – مع حفظ الألقاب للرجلين-
من منّا تصدى لتقييم إرهاصة" إبراهيم رضوان" أو الراحل الكبير محمد عبد المعطي، أو عبد الناصر حجازي- متع الله الأحياء منهم بالصحة-  كي يعرف القادمين خلفهم ما الذي أصطنعه هؤلاء لخطاب العامية. من منّا يمتلك جسارة تعرية العادي والنمطي أو يحاكم الردّة الزجلية التي ارتدها شعراء كنا نحسبهم معنيين بتطوير القصيدة العامية.

إن أزمة الوجود والتواجد في هذا الزحام، لا تعني بالضرورة أنها المعبرة عن قضية كبرى تعتمل في يقين الشاعر المعني- أصلا-  بإنتاج موقف محدد من العالم. المسافة بعيدة جدا. ومناخ الاستهلاك أمتد رغما عنك وعني حتى طال الشعر نفسه. لذا يظل المشهد عبثيا مهما تطرف حرصنا للانتصار للعامية المرتجاة. كل من تراهن عليهم انتهوا تقريبا. تبخروا تحت سقف الضرورة. بل قد أطرح عليك هنا سؤالا. لا أجد إجابة له.. ما سر ارتباط توقف الإبداع باللحاق بقطار المؤسسة الثقافية؟

إن نص "زينب" قد يكون حجر زاوية للحديث عن العامية إجمالا، لكنه – للأسف- قد أضاء مرحلة من أسوأ مراحل العامية. فمن السهل أن يبدي حازم حسين امتعاضا مستحقا حيال المشهد. لكن لن يجد في حياته متسعا من الوقت كي ينتصر للعامية المنفلتة والمختلفة والتي صارع جل عمره من أجلها. صراعا ربما خلق خلافات حدية أحيانا مع شعراء لم يكن بينه وبينهم غير الأخوة والإنسانية العميقة.
ربما استطعت في قادم الأيام أن أكتب شيئا حيال هذه الأزمة مع الاعتراف بضيق الوقت والرزق. لكن أدعوكم فقط أن تختلفوا مع حازم حسين بأدب، وأن تنتصروا للطحان من شعره وليس لأنه صديق رائع، وإنسان نادر.    

ماذا فعل الله ببلال فضل؟

  في المبتدأ لن أميل لكون ما سأكتبه نقدا أو مراجعة، أو حتى رأي انطباعي، رغم الاعتراف بوجود الغواية الكافية؛ كي أتصدى لقراءة الرجل وأنا مُحمل...