الجمعة، 8 مايو 2015

العامية بطعم محمد هلال

صبار الفطام
العامية بطعم محمد هلال
(1)
صبار الفطام ديوان تم التنازل عنه، وخرج من يقين صاحبه لدوائرنا؛ كي نلاقي ما نسمعه عادة من مصطلحات عن المنجز والمشروع وغيرها من مقولات. لا أرفضها يقينا، وإن كنت هنا أحسبه منتجا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمنتج العامية لا يخضع للقولبة أو القصدية، أو كل ما يمكن أن يغتال الحدوس الشعرية المنفلتة -غالبا- تحت زعم التصنيف والمحدودية. وأزعم أن بعض من حاولوا تأسيس خطا لديوانهم، غالبا ما وقعوا في مغبة الاجترار، أو صدَّروا ثبات الهدف في أطروحات لا ينقصها الملل. إذن لنتفق أن ما نطالعه اليوم هو منتج "محمد هلال" الشعري.الذي يمنحنا النظر لمواجيده، وكأنها نتاج حالة من تضافر مواد خام، صياغة وصناعة وتجويد ومراجعة؛ كي نصل للمتن المراد النظر إليه بغرض تحليله.

هل من المفيد أن نبدأ من العنوان ونحلله، أم نلج للمتن الشعري؛ كي نبرره. إن قيمة العناوين المراوغة وكثافة حمولتها، أنها تدفعنا لتلمس ما يكشف عبقرية اختزاليتها من المتون الشعرية، بمعنى أن يكون النص واحدا من التخريجات الدلالية لهذا العنوان، ومن ثم، وفي تفسير معكوس نعيد إسقاط العنوان كقيمة اختزالية ونصية، ونذهب معه في، لن أقول تفسير النصوص المنضوية تحت لواءه، وإنما التماس الإشارة التي أودعها العنوان في متن النص والمجموعة إجمالا.

لم يفقد العنوان هنا غوايته رغم استحضاره من موروث العامية العميق، ولم يفقد كذلك قدرته على التحريض، بما يملكه من إشارات، وقيم دلالية ربما أكثر مراوغة من العنوان نفسه كبنية نصية، منتمية للتراث الشعبي بامتياز.
ربما تتفانى الذائقة، وهي تتعاطى مع العنوان. فالصبّار وإشارته لعملية الفطام، تعني في التفسير الأقرب إقامة الحد الفاصل بين الرضاع، ومرحلة أخرى، تقترب من الاعتماد على النفس، يتنامى معها الإحساس بالبعد النسبي عن صدر الأم.
فهل الديوان -هنا- مرحلة ما بعد الأم. وما ينتج عنها من مواجهة العالم بدون هذه الحميمية، الأمر الذي يؤسس بدوره الاختلاف بين هذا الحضن وسواه. مما يفسر ذلك الحنين الفطري لمذاق هذا القرب، مهما تطاولت الأعمار.

يا ربما نقرأ على ضوء هذا التفسير متونا شعرية بطعم الاغتراب، أو بالأحرى الافتقاد لشيء ما ولاسيما الماضي. إن الصبّار وما يحيله من شعور بالمرارة، يبرر عند أصحاب القراءات البريئة هذا الفاصل كنهاية لمرحلة، بيد أن من الإنصاف إحالة الصبار على مواجيد الشاعرية، لا كمجرد فاصل، وإنما اقتحام مركبات الحميمية بمرارٍ طاعن ولافت.

تتجلى تداعيات أخرى لهذا العنوان تؤسس لمراواغاته الممكنة، بداية بمن وضع الصبار؛ كي ينهى ما اعتقدته الشاعرية أنه الأفضل، ومرورا بسؤال مستحق.. هل الذات كانت مهيأة لإنجاز تحولها للاعتماد على نفسها يقينا، وبالضرورة مُشكل التوقيت. وهل كل اللاحق لهذا الفاصل الذي أسس له الصبار مرير بالكلية، وهل لسان حال الشاعرية يصرخ فينا: ألم يكن من الأجدى الانتظار ولو قليلا؛ كي نستحق الفطام، ويكون العالم بدوره مهيئا لاستقبال مأزومين جدد.
 
في حقيقة الأمر جاء الديوان؛ كي يمنح هذه الأسئلة الافتراضية الكثير من المشروعية، في كتابة تشبه حجرا أُلقي في بركة ماء، فأنتج دوائر لا نهائية من الأزمة. تتنوع انطلاقا من الداخل إلى الخارج وبالعكس. فلا المرارات انتهت، ولا الفطام كان مجديا، والعالم على موقفه العدائي من هذه الأرواح. مع توفر مواجيد شفيفة تريد مخلصة  العودة لما قبل اقتحام الصبار لهذا الكيان، كي تنتزعه من حضن أخلص وأطهر فترة زمنية عاشها. أو تؤسس لكتابة لا تبتغي التطهر والبوح، بقدر ما تريد العودة لطفولة اغتالتها مركبات المرحلة. لاشك وضعنا العنوان في بؤرة الحالة الشعرية المأزومة بطبيعتها. بتقاطعاتها ما بين اغتراب وغربة وفقد وحيرة، واستشعار حالة من الضعف حيال جور واقع لا يرحم، وأسس تشكلات التجربة، والرؤية ومحدداتها.
(2)
لا أريد التورط في أحكام قيمة ربما لا تتحملها هذه القراءة المتعجلة، لكن من الضروري الإشارة لقناعة خاصة إلى درجة أن العامية كتابة يقين، تمثل عندي ذلك المنحنى الصفري لتماهي الكتابة مع طرائق التفكير. فالشاهد أننا نفكر بالعامية ونكتب بها. اليقين هنا لا يعني طبيعة الالتصاق بالمجتمع ودرجات القرب من مشاكله، وإنما يعني بلوَّرة قيمتين على درجة كبيرة من الوضوح في القصيدة العامية: الحقيقة الاجتماعية في بُعديها الدرامي والتفاعلي. كذلك حضور الجانب الحكائي الذي يبلور بدوره دراميتها. هكذا إذن ظل معنا - مهما احتدم التطوير- الزجل المعني بالحقائق الاجتماعية وأزماتها، مما أنتج إلى حد بعيد نصوصا بطعم الريبورتاج الذي يغطي أزمة الإنسان/ المجتمع. وتجلت معه القصيدة في صورة القصة القصيرة التي صاغها قاص متهور. ينتخب أفكاره من تقاطعات الحالة من جهة، وضغط الواقع من جهة أخرى.

تلاعبني ع المشاريب
ولا على بكره؟
بكره يادوبك طقم شاي ميزو
اتنين جنيه قافل عليهم سُستة امبارح
والزهر بارد
برودة الفتارين على الفقرا

 لم يؤسس "محمد هلال" لكتابة اليقين وحسب، وإنما حقق ما اعتقدته يوما من عبثية البحث عن الهم الخاص في القصيدة العامية، والتي مهما تمركزت نصوصها حول كل ما يشير للذاتية، تظل قادرة دوما على التماس مع العام؛ بسلاسة مدهشة. خصيصة ربما تستحوذ عليها العامية بصور أكبر من مثيلاتها من الألوان الأدبية الأخرى.
إننا مع الرجل نقرأ الواقع بلا حجب، حتى إذا لم تحضر ذاته أو حال حضورها في الآخر المعني بهذا الحوار، والأفكار المُشعرة التي تؤسس لعناصر أزمتها. هنا تتقاطع لن أقول الأزمة في عموم تجلياتها، والمتحققة في كونشرتو من الوجع والأحلام المجهضة أو المبتورة، الحيرة والتوجس من مستقبل لا يحمل غواية انتظاره. بل قد نذهب لملاقاة نصوص تعكس أزمة قرار، تعرَّض لهزيمة الوقت، أو معطيات اتخاذه. وأزعم أن ذوات تستطيع أن تتبين أزمتها بهذا الوضوح، ما كان لها أن تغادر هذا الإيقاع الذي يشبه ترنحات طائر مذبوح.

الفرق ما بينا يا دوب برواز
وشريطة ف لون الحظ الساكن عتبة بابك
وقراية الفاتحة
مستني...؟!
بتحاول تلمح لون الحنة ف كفك
.... ازاي؟!  

لا أستطيع ربط هذه التجربة بتداعياتها بقناعة خاصة، تدفعني لأن أسأل –مثلا- عن المسافة المقطوعة بين الذات والأزمة. خصوصا أن الثبات النسبي لمفردات الرؤية رغم ثرائها، وما استوجبته مخططات الرجل وأدواته؛ كي تبثها على هذا النحو، لا تغريني بسؤال عن علاقة الشاعر بزمنه، فالإجابة هي الديوان تقريبا. لكن أريد أن أبث مواجيدي الخاصة ولاسيما حال القراءة الثانية.

من العبث بمكان أن تمتحن شاعرية الرجل على ضفاف نصوصه، وبطبيعة الحال النقد وإرهاصاته يواجهان هنا حال التصدي لمقدرات الشاعرية ما يشبه نقدنا المدرسي اللزج الذي لا يضيف جديدا للشاعر ومنجزه. أو يلقي الضوء على آفاق أكبر من مجرد قراءة عابرة. 
في حقيقة الأمر سيكون من نافلة القول أن ندور حول مسميات كتابة الأزمة، لكن مشكل الطرح هنا.. أين يقف الشاعر من الأزمة نفسها؟

نعم، من الممكن أن استسلم لمن يعتقد بعبثية هذا السؤال، لكننا ربما ننسى طوعا أو كرها أن الحديث عن المسافة المتحققة بين الذات ومفردات الأزمة قد لا تعني حدوث ما يشير إلى الاشتباك. ربما أستطيع إحالة هذا الهدوء في طرحها لطبيعة شخصية تميل لكراهة الضجيج، جعلتني لا أرى بوضوح ما يشبه الصراخ أو الاحتجاج. لكن يظل توجسي حاضرا ممن يسألون على ضوء هذا الهدوء.. في أي النصوص كانت الشاعرية مشاركة، وفي أي منها كانت مراقبة؟

لنعترف أن من يتابع حدوس شاعر العامية متابعة تحليلية هم الشعراء في الحقيقة، وأن أي ممارسة نقدية كان من المفترض أن تؤسس ذائقة تلقي تقرِّب الناس من طبيعة السلوك المبدع وعناصره. بيد أن النقد في نهاية المطاف قد ذهب مجبرا للمبدع مبتدأ القصة ومنتهاها في آن. من أجل هذا أقول:
إننا نقرأ تجربة ربما يبثها رجل لم تسعفه الحياة أن يقولها في ظروف عادية، أو أوراق تركها؛ كي يميط اللثام عن كل ما غمض على مجايليه ومعاصريه. نقرأ أزمة جيل اصطفت حركة أقداره واحدا من الشعراء المطبوعين يقينا؛ لكي يبثها شكوى متناهية الوجع. ولا يغرينا بأي حال حين نلتمس الهدوء والسكينة اللتين شكلتا الطقس كله للاعتقاد بالدعة، أو أن الشاعرية قد ذهبت في تجلياتها من منطلق شرفة تنظر للأزمة دون التورط فيها.

مازلت مؤمنا أنه لا توجد قراءة بريئة للأدب، ولا أريد أن اختط سبيلا للآخر كيف يمكن قراءة إبداع "محمد هلال" في المطلق، وليس هنا على ضفاف هذا الديوان. وأزعم أن من يدعون التطوير في خطاب العامية لديهم كم من التوجسات من تجربة تختط لنفسها طرائق التعبير التي جاءت في هذا الديوان. وهنا لن أرتدي ثوب المدافع عن تهم لم توَّجه بعد، وإنما أحاول مخلصا أن أمتحن ذائقتي حين تعرضت لما يستفزها يقينا من شعر لا يخاطب أزمتي، بقدر ما يخاطب إنسانيتي المأزومة.
لا غضاضة بأي حال أن يتوارى الخطاب الشعري الممتزج بالصراخ والاحتجاج، لحساب النظرة المتأنية للأزمة وعناصرها، أو الميل الطوعي لجمالياتها. فلا يمكن المُصادرة على نوايا الشاعر إذا انتحل بعض الثبات كي لا تظهر النصوص وكأنها مُصدرة لضعف ذاته في مواجهة أزمته وواقعه.  وكأنه يمارس تساميا مطلوبا يزيح ولو مؤقتا داخل زمنية القصيدة ما يشير لمركبات الانسحاق الواقعي.

هناك من يرى بحتمية الضجيج المضاد، والعبثية في مواجهة اللامنطق والتشتت في مواجهة اللانظام. وإسقاط النماذج من عليائها ومحاكمتها. ربما أتفق مع هؤلاء. لكن، ودون التورط في أكليشيهات.. إن العامية في ذاتها تحمل مكونا حداثيا إذا اعتبرناها التخريج الشعبي للثقافة، قبل أن تكون معنية بتسفيه ثقافة النخبة. الشعر في ذاته احتجاج، والقصيدة مهما بلغ بها الخفوت تظل صرخة أطلقتها نفس معذبة.

هيقول ع البنت اللي بضفايرها البُني
غمت عينه وجرْيت
طفت نور المسرح قبل نهاية العرض بمشهد
وسابتني أكمل دوري لوحدي 

من طبائع الأمور أن نقر بحقيقة واضحة قد قالها الديوان وهي حضور الوعي بشكل سيطر على كامل الأطروحة ومفاصلها. الفكرة كوقود، واللغة بوجه عام، وكذلك لعبة التصوير. وليت شعري حين أسمع من يبحث عن اليومي في ديوان هو التفاصيل كما ينبغي لها أن تكون، تحضر في متون شعرية هي الحياة.
وليس انتصارا هنا للتفعيلة، والموسقة، أو توسل منطقة صراع لا مجال لها مع مشروع النثر، ولا أزعم أن نوايا شاعرنا كانت تقصد أن تصوغ ما يمكن اعتباره كتابة الحل الوسط. حتى وهو يعنون واحدا من نصوصه بالنص المنفلت. بيد أن من المنطقي أيضا أن نتجاوز أكثر إرهاصات النقد صبيانية وعبثية وهي أطروحة الشكل. ولاسيما أن كل ما يمكن أن يقال فيها مردود عليه في ديوان يكفي أن تكون الذات التي أبدعته هي المهمش الرئيس، ونصوصه هي احتفالية تبدو لي مزدحمة بكل أشكاله. { القهوة/ الزهر/ الأراجوز/ القلم الفلوماستر/ الحادي/ قِلامه الكوبيا/ ترتر/ السقا/ البلياتشو}

إن هذه الثنائية الجدلية بين الوعي واللاوعي، حتى مع اعترافنا بحضور الأول بشكل كثيف إلى درجة، تستدعي – لدي- حديثا سمعته من أستاذنا (عبد المنعم كامل) حين أبدى وقتها تصنيفا ثلاثيا للشعراء.. فمنهم من اتسق مع عالمه، ومنهم من رفضه، فتسامى عليه بقصيدة هي الحلم أو تبتغي المثالي المفتقد، ومنهم من سعى لتشويه العالم في شعر، قد يأخذ شكل ردة فعل انتقامية من الواقع وتفاصيله. ربما تذكرت هذا الحديث عندما سألت نفسي: أين يقف "محمد هلال" من تصنيف أستاذنا؟

في القراءة الثانية لهذا الديوان وجدت ودون أن أفقد موضوعية التحليل، أن الرجل هو كل مفردات هذا الثالوث. تماهت أفكاره مع اتجاهات هي متسقة حينا، ورافضة أحيانا، وقادرة على تشويه منطق العلاقات متى أرادت. لكن منطلقات التشويه ربما تسخر من قولنا أن الكتابة إجمالا قد أتت واعية تماما، على اعتبار أن التشويه قد يُؤسس من خلال لاوعي يمور بالعديد من تناقضات الرؤية. فلقد كان من الضروري كي نرضي غرور التأمل في هذه المتون الشعرية أن نجد صورا مسريلة، أو علاقات ضدية متنافرة، أو سقوط الأفكار المتسقة منطقيا في متون شعرية تشير بدلالاتها لفساد منطقها. لكن الغريب فعلا رغم إننا لم نلحظ ذلك بوضوح، لكننا لم نستطع الانفلات من أجواء كتابة قد تبدو كابوسية إلى درجة. أو يا ربما حديث أريكة بثه مريض لطبيبه المعالج.
عارف أنا ليه اتجننت لما نزلت أجازة
لاقتهم دهنين الأوضة زي بقيت البيت
...علشان مابحبش أنام في الأوضة لوحدي...
بخاف
طبعا مش فاهم...!         

هل نفهم من ذلك أن اللاوعي هو المسئول عن إنتاج التشويه الذي يقصده أستاذنا؟ وأن سريلة الصورة هي البنت الشرعية لإرهاصات هذا اللاوعي.
في حقيقة الأمر لي موقف عدائي من"بريتون" الذي أدعى بيقين هذا المعنى في تأسيس التشوهات التصويرية حيث أن اللاوعي تنطلق حدوسه كضد للأطر الجمالية والأخلاقية. لكن يظل السؤال من أين تأتي مفردات اللاوعي أصلا. ألم تكن خبرات ومدركات حسية تم إزاحتها من وعينا، حيث كانت مصدرا مهما للألم، وهل يمكن أن تموت إرادة استدعائها لحساب تشويه، ليس اللاوعي مسئولا عنه يقينا.
من الممكن أن نصف آليات التشويه هنا بأنها لم تكن زاعقة، ولكنها لم تكن غائبة، وما كان حضور شخصية البلياتشو في أكثر من متن أو السيرك عموما إلا إشارة لتشوهات الرؤية من جهة، وتشوهات المرئي من جهة أخرى. نفس الحديث قد ينسحب أثره على مقولات المهمش بنفس الطريقة، فمشكلة المهمش: هل في استدعائه أم خلقه، المهمش قبل النص كان موجودا بالقوة والفعل، وما استحق توصيفنا بكونه مُهمشا إلا بسبب غيابه عن أطروحتنا الشعرية، المهمش حاضر في بيئته بالضرورة، لكنه يعاني فقط من الغياب في خطاب العامية.

على كل حال لنتمسك بمقولات الوعي، ولو قليلا؛ كي نتدارس في هذا الديوان ما كنت أسميه لغة الإنجاز في خطاب العامية.
من علامات شاعر العامية المجيد أن يؤسس للغته وهو يقينا على دراية بأمرين: أن اللغة وعاء الأفكار. في البداية يدرك وظيفتها التعبيرية، وفي إطار الخلق الفني يدرك قيم إشاراتها ورموزها، وبالتبعية حمولتها الدلالية. وعلى الضفة الأخرى من النهر. إن ثراء قاموس العامية ثراء خادع، قاموس ربما يتفوق على نفسه في إنتاج مترادفاته.  

اعترف أن وضوح أزمة الكتابة تناسبت طرديا مع وضوح لغة الديوان وربما صفائها وتساميها، فعندي رهان مضمون الربح أننا لن نصادف مفردة تقترب من الابتذال.
لغة أسس لها الوعي الحاضر بقوة، لغة يقين في الحقيقة، لكن تظل في طبيعة التناول النوعي على قدر وضوحها، تبدو كلغة إشارية بامتياز، ربما لا تختزل بطبائع الأمور دلالات كثيفة نظرا لما صادفت من رحمة في التناول الرمزي الذي يكشف حمولتها، بيد أن من الصدق بمكان أن نعترف بوقوف هذه اللغة بين منطقتين دون الميل لواحدة منهما: لا هي تماهت مع أقصى درجات البساطة، ولا هي مشفرة حد الانغلاق.

وف عز الحزن يزغزغ بعيونه عيونهم
تلمع وتـْمُوج وتموت م الضحك
يتنفس نَفَس الناس الدفيان
وف أخر اليوم يعند وياك
ويراهن ع المُهر الأجمل بيُوميته
ويبات خسران؛ لكن مبسوط!

لست أدري يقينا أيكون وصف اللغة في هذا الشاهد وغيره من مجمل لغة الديوان بالذرائعية سيكون موفقا؟
في حقيقة الأمر استرعاني احتدام الرغبة في تشكيل العامية سواء بفتح من يستحق الفتح أو الضم أو التشديد. والتسكين. في إشارة مبطنة لمخافة سوء التأويل. لكن يظل اللافت حقا، الفطرة الشعرية والطرافة التي تقف مدافعة عن لغة النصوص أمام كل من يدعي بحدوث ما يشير للافتعال أو النحت إذا جاز التعبير، الأمر الذي لا يعكس مضامين الكتابة الواعية، وإنما يعكس درجة من درجات الاستدعاء السلس للمفردات التي تستطيع تدشين الأفكار، والمواجيد، دون التورط في هذه المسميات. حتى في مشكل الحضور للتناصات المختلفة عند قصة يوسف وغيرها.

إن اللغة عند"محمد هلال" لم تفقد طبيعتها الإرسالية في الحقيقة، وربما ذلك ما يفسر عندي وقوف لغته في وسطية مقصودة لذاتها، لكن ظلت الشاعرية في توقدها، تنفلت – أحيانا- تحت ضغط الانفعال الشعري؛ كي تدشن في توهج لغة حية، تزيح بعفوية دلالاتها المستقرة في الذاكرة. وسطية أزعم أنها عالجت زخم الأفكار وزحام المرجعيات والأهم التخفف النسبي من مناخات الحيرة التي تحيط به.
حين يرى "جون كوهين" أن الشعر لغة داخل اللغة، فهو يستهدف هذا البعد الذي ينفلت طوعا من مغبة ثبات الدلالة للمفردة كقيمة وظيفية. لكن إذا أقررنا بحدوث ما يعوق الانفلات، فلا نتورط في سلب الشاعرية مكونات الجسارة، طالما كنا نقر مبدئيا بخضوع الرجل لأزمته بوعي منضبط. على الأقل هنا.
كذلك على ضفاف اللغة التي صيغت منها نصوص الديوان لا ينبغي أن نجرد الشاعر من وعائه الثقافي فقد امتدت الوسطية المنضبطة كي تصل إلى ما قبل النخبوية بقليل. حيث اتسمت بنقاء بنيتها، وهدوء جرسها.   
في ومضات فسفورية إذا جاز التعبير ورغم التعاطي الرحيم مع مفردات اللغة بعيدا عن الترميز المنغلق والتشفير الملغز، ربما يلاحظ قارئ العامية المتمرس بناء الجملة التي تحتوي مفردة أعيد استخدامها خارج معيارها. وهنا أقصد بلا مواربة حسابات السابق واللاحق. وقفت كثيرا رغم يقيني في وسطية الاستخدام اللغوي أمام آليات التضفير التي تضيف حمولات دلالية أكبر من المفردة في محدوديتها. ورغم كل ما يمكن استنباطه من استقلالية الدلالة على ضوء التناول الشعري، لكننا كنا نتورط طوعا أو كرها فيما يشبه الحقول التأويلية في شواهد شعرية أشهد أنها كانت قليلة، لكنها تشير للمقدرة على صياغة ما هو أكبر من مجرد لغة تنطوي على تشفير محدود.   

ورويت ورقتك من عيون الجرح ؛ حبر
فحصدت من أغصان هموم العمر؛ صبر
وجملتين راح ناخد ايه.. غير هو شبر

لا نريد تحليل منطق علاقات الجملة كبنية نصية، فلا نروي الورق ولا عيون الجرح يقينا تفعل، ولا المنبثق من الجرح حبر، لكن ثمة وشيجة بين الري والعيون والورق والحبر.
أستطيع قبل الخروج من هذا المنعطف أن أصوغ حكم قيمة يمتاز بالطرافة فالديوان ربما يكون ديوانا للحنة والضفاير والبلياتشو، وشواهد كثيرة لعدم التعالي على التكرار، فشلت يقينا في استنباط أسبابه.  
(3)
لاشك إننا لا نقرأ النصوص بقدر ما نقرأ أثر النص، فالمسافة المقطوعة بين المتن والهامش، بين النص ومحاولة تفسيره، هي التي تنبني عليها قدرات التأويل الخاصة حيال نصوص، أُتفق يقينا على ثرائها، فالقول –مثلا- بدهشة الصورة يشير إلى متن، بينما تحليل عناصر هذه الدهشة هو الهامش ولاشك.
نأتي للمنعطف الكاشف بجلاء مبهر إننا نطالع شعرا مكتمل البهاء، سنتجاوز مشكل الوعي وحضوره، لكن من العدل بمكان أن نشير لغرائبية البنية النصية للصورة ذاتها.

في سياحة عابرة لهذا الديوان نجد أقل الصور الشعرية رفاهة وهنا أعني التشبيه على اعتبار أنه يعتمد على الربط بين هويتين متباينتين، عن طريق الإلحاح وإبطال مسافة التباين{ وعيونك زي شموس الصيف/ كأن الأرض مأمورة} أو في صعود نلمح انهيارا للفوارق بين المعنوي المجرد والمادي الملموس بتوظيف تبادل المدركات عن طريق التشخيص والتجسيد والتجريد بخلع المشاعر أو الصفات البشرية على الطبيعة الجامدة بقصد أنسنتها { حبلت سفاح كل العيون/  يجهضها لون الغنا/ والمطرة اللي بتغسل وش الأيام}.

إن لعبة تراسل الحواس ربما تحدث في كثافة لافتة، ورغم ذكاء وبراعة الإحالات وتبادل المدركات لإنجاز مضامين إدهاشها، تبدو عفوية بشكل لافت..
{بيقايض بالميّه وجعهم/  لام العيون ع البكا/ فتقابلك شمس اليوم بخجلها الزايد عن حده/ صالب فوق الوش الباهت ضحكة كسيحة} ولعل جمال الصور الفنية المتولدة من التراسل يكمن في رؤية التماثل في اللاتماثل، وقبول الصور الغريبة المتخيلة، والعمل على التآلف معها كما لو أنها واقعية. ولعلنا نلاحظ حركية التبادل في تناول المدركات تناولا حديا معكوسا، يغلب عليه بشكل كبير، هذه الحركية بين البصري والسمعي، أو التجاوز الحاد الذي يستجلب من الاستعارات دهشة فوق حدود المتخيل.

لم يكن من السهل وأنا أقرأ الرجل الانفلات من غواية المفارقات التصويرية التي تأتي في تناسل محير في حقيقة الأمر، فربما كنت ألحظ -رغم صعوبة ذلك- متونا شعرية هي بذاتها لا تحتفل بتشكيلات مجازية أو استعارية لكنها متون مدهشة لم تلجأ لتحطيم العلاقات بالكلية في إطار لعبة التخييل، بيد أنها تتشكل لكسر حالة من التوقع.{ أيقونة العشق الطفولي الغير مبرر للشتا/ طفَّت نور المسرح قبل نهاية العرض بمشهد/ مرصوصة وشوشك جوا طابور}

إن كواليس الصورة مزدحمة نوعيا بكل العناصر التي تستطيع إنتاج صورا تتساقط كالمطر.
إن عالم "محمد هلال" عالمنا، بكل روافده ومؤثراته التي شكلت موقفه من العالم، ناهيك عن ثراء الحصيلة الثقافية التي تؤسس بذاتها موقفه وتصوراته الذهنية حول أزمة وجوده والوجود ذاته، في تماس فكري يريد مخلصا لأن يفهم. فلا غضاضة من لقاء تضميناته البليغة والمؤثرة، الأسطورية والتاريخية{كذب المنجمون ولو صدفوا/ والنحت السريالي لرطوبة واصلة لغاية السقف/ ولسه صبار الفطام بيعمده بالمر/ وان ست الحسن للشاطر حسن/ بتغني لمين ولمين يا حمام/ رؤيا يوسف}

إن مناخات الصورة ودهشتها، وبهذا الكم تجعلنا محاصرين بعناصر صياغتها، إننا نشاهد صورا هي في حقيقتها تجليات. صورا عامرة بالتفاصيل وكأنها مشهد حي يشير بدوره إلى إحاطة شاملة لدرامية الصورة وتفاعلاتها.
في حقيقة الأمر الشعر الطاعن في الاستثنائية يحتاج قارئا استثنائيا، فلقد بات واضحا حقيقة موقف الشاعر من عالمه وتراثه ، لذا من الممكن في حركة تبادلية للمواقع تتماهي مسببات الأزمة، وهنا أعني أزمة الذات أم أزمة العالم، إننا بصدد تأويل جذري لهذه الغيابات، وليس ما يتبدى منها، فكيف نؤسس لمنطق يحكم عالما فاقدا لأي معنى، أو تراتبية يمكن القياس عليها. إن ثراء الصورة ومشهديتها كان مقصودا لذاته، لا لاستعراض أمكانيات الخلق الفني وإنما تحايل من الشاعرية على كل ما يصم الرؤية، ويصفها بالشذوذ أو الانحراف على اختلاف صوره.

إن الشاعر ليس مطالبا بإنتاج أحكام قيمة فيما يعرض له، فليس مُنظّرا ولن يكون، إن هذا الحشد للصور ما كان إلا إعادة عرض لموقف شامل لا يمكن أن يطرح جملة، وما كان الديالوج كتقنية تستحضر الآخر دخل المتن الشعري تقيم معه حوارا، إلا لتفتيت عنصر المسئولية الأيدلوجية التي تقف في الخلف من النص.

أزعم أن صبار الفطام ديوان منتخب بعناية من لدن شاعر لديه ما يقوله، ومنذ أول لقاء مع شعره ورهاناتي عليه متحققة. ربما دعوته لأن ينبش أكثر، أو على أقل تقدير يواجه عالمه بأنياب أكثر حدة، نعلم أن البتر أمر صعب لكنه مهم لباقي الجسد، جلسات الكهرباء قاسية حتما لكنها تنعش العقل. والأهم أن لا يفكر فينا وهو يخط إبداعه. وخصوصا دوائر النقد الغائبة غالبا.   


الخميس، 30 أبريل 2015

صابر فرج " العرّاب" في ذكراه

ربما كانت لحظة موته، هي اللحظة الوحيدة التي حصل فيها على الهدوء والراحة الحقيقية، ولأول مرة فى حياته، فرحلة هذا الإنسان في مجملها؛ رحلة لم تكن سهلة، لأبن أكبر من أبناء الطبقة الوسطى، عليه أن يتعلم، وعليه أن يدير أسرته بعد وفاة أبيه. في هذه الأثناء. يواجه أكبر انتكاسة لأول مشروع شعري يكتبه في حياته ، ويُمنع من الكتابة أصلا، ويتوقف عن متابعة الشعر لمدة تقترب من الثلاثين عاما ، تأخذه الحياة في دروبها ومتاهاتها، يؤسس أسرته الصغيرة ويعيد الكرة من جديد ، لكن فى هذه المرة مع أولاده ، يُربى ويُعلم، لكن لم يفتر الحنين في داخله طيلة هذه السنوات  لأن يكتب، ويملأ الدنيا شعرا، كان ومازال قضيته.

اشهد أن القدر كان عطوفا جدا يوم أن التقيت بهذا الرجل المفعم بالنشاط والحيوية والنظام والترتيب .    
أذكر لقائى الأول به ، فلقد كان لنا صديق مشترك؛ وهو لم يكن يعرفني شخصيا ، بل كان يحفظ بعض الومضات التى سمعها من صديقنا الشاعر الغنائي محمد عبده السيد،  والذي تبرع بأن يُحدث الشاعر الكبير عنّى كواحد من هواة شعر العامية ، وللأمانة فإن كل ما كتبته من شعر لم أكن أعرف إنه شعر عامية، أو إنه شعر أصلا . تأخر اللقاء كثيرا، يأتي هو فأكون قد ذهبت ، أصل أنا فيكون هو قد رحل، فترة من هذه الحظوظ حتى دخلت إلى مكان صديقنا  فقمت بتحيته والجلوس إلى جواره وقمت بتحية الرجل، وهنا قال لي صديقنا : هذا هو الأستاذ صابر فرج  .

    كان ضروريا بعد كثير من الحوارات الجانبية أن يطلب منّى أن أقول بعضا من شعري، يسمع بإنصات غريب، يطرب أحيانا ويندهش أحيانا ، رغم كم الخجل الذي اعتراني ساعتها، كون الرجل تبدو عليه أمارات الأستاذية الممزوجة بالمهابة، لكن، ولكوني ممن لا يهتمون بأن يكونوا أكثر الموجودين حديثا، كنت اختلس النظر لرؤية ملامحه وهو يتحدث أو يقوم بالتعليق على ما أقوله من شعر، حيث كنت ومازلت مؤمنا أن الانطباعات الأولى تدوم، ربما لم تصادفني الراحة لملامحه فى البداية، وإن كنت أحمل يقينا وقتها إنه بلا شك رجل شديد الوقار والهدوء الذي يليق بوضعه وبعمره .

عيناه تتحرك بسرعة، وجهه مقتضب غالبا، بشكل قد يوحى بالغضب، لكن حين يضحك تختلف الصورة تماما، وهنا تظهر روحه الحقيقية كطفل يختبئ خلف هذه الملامح لشيخ يبدأ عقده السابع .
تعددت المرات والتقينا كثيرا، هنا أدركت للمرة الأولى رغم عدم ثقتي فيما كتبته ، أن ما أقوله كان شعرا ، فطلب منّى أن أقوم بجمع كل ما كتبته وإحضاره له بقصد تجميع ديوان يحوى تجربتي كما قال لي وقتها . كان صبره ومثابرته شيئا لافتا للنظر ، حيث كانت معظم القصائد إن لم تكن كلها من كل أجناس الورق المتناثر والغير مُرتب بشكل قد يدعو لليأس من أن يتم تجميع ولو نصف ديوان ، هذا بالإضافة إلى أن معظم القصائد بلا عنوان، حيث كانت كتاباتي غير مهتمة بهذه المسائل، حيث كانت الكتابة ذاتها تنطلق من مجرد بوح شخصي، وليس من منطلق خلق فني يهتم بالتفاصيل.
     
تمكنّا بعد جهد تحمل مشقته هو بشكل كبير من تجميع ما يقرب من ديوان وجلسنا معا فى بيته ، نراجعه من شاشة حاسوبه الخاص، كنت مبهورا وقتها بمكتبته الكبيرة جدا، وكنت مندهشا كيف سمح له الوقت بقراءتها ، ومن هذا الترتيب والنظام الذي صنّف على أساسه هذه المكتبة الضخمة ، وكنت على نفس الدرجة مبهورا بقدرته الذكية على توريطي في مسألة الكتابة من جديد ، حيث كانت كلمته الشهيرة " الكتابة واجب يومى " جزء لا يتجزأ من نصائحه الكثيرة لي وقتها، هذا بجانب تحريضه لى على القراءة ولو بعيدا عن الشعر، حتى تكون لي ثقافتي الخاصة .

     مع مرور الوقت بدأت بذور الثقة تدخل إلى قلبه، وحدثني عن شعري بروح الأب والمُعلم، فهمت أن ما كتبته كان بالضرورة شعرا، وأن الموسيقى والقوافي ليست هي وحدها العلامة الدالة على أن المكتوب شعر، وأن القصيدة المكتملة هي القصيدة التى لا تحتوى على التداعي الذي قد يحيل القصيدة إلى كيان شديد الترهل، والغريب رغم يقيني بنصائح الرجل و التى تنبعث من خبرة عريضة فى مجال الشعر والعامية خصوصا، لم تشغلني وقتها ربما بسب يقين آخر إنني لن أكتب مستقبلا.

حدثني عن مأساته التى حدثت فى الستينات، والتي جعلته يتوقف كليا عن ممارسة الكتابة ربما طيلة ثلاثين عاما، وهنا أدركت أن هذا الرجل يشاركني كراهية الوقت والمسافة، مع اختلاف أسباب الكراهية بالطبع فيما بيننا، لذلك ربما فسرت بشيء من اليقين لماذا تبدو الحياة الأدبية وفعل الكتابة عنده ضربا من الركض من أجل الوصول لمكانة أدبية تأخرت طيلة هذه السنوات، كنت أرى بالفعل إنه يستحقها، ربما كان بالفعل لا ينافس أحدا باعترافه، لكنه كان في كل الأحوال ينافس نفسه من أجل تعويض ما فاته.

 كنت مؤمنا أن الشعر حالة ضاغطة، في حين كان يعلن إنه في الشعر لا يحتاج لوحي بقدر ما يحتاج للتركيز من أجل ممارسة الكتابة، أعجبني شعره بوجه عام ، كان بسيطا غاية البساطة، وإن كنت اعتبرت أن الشعر عنده هو ذلك الفردوس المفقود الذي ربما لا يجده بعيدا عن فعل الكتابة، فشعره يحمل شكلا من أشكال حب الحياة والمصالحة والموائمة بين ذاته والعالم، في حين لم أكن أشعر أن حياته بعيدا عن الشعر تقترب ولو من بعيد مع هذا المعنى، رغم يقيني وثقتي، كونه يعيش حياة أسرية على قدر كبير من الهدوء، وفى ظلال أسرة مترابطة وقوية ومتحابة، لكن ربما من منطلق علاقته بالآخر كان دائما يشعر أن هناك ثمّة حرب وصراع يحيط بتواجده كقيمة شعرية وأدبية جدير بها أن تتواجد بشكل فاعل في محيط الحياة الثقافية. كنت أبرر هذا ولكم قلت له بلهجة لا ينقصها الحب والاحترام : إن فترة غيابه كانت طويلة ، ربما اختلفت الأجواء، وكل وافد جديد ربما يعانى مثل هذه المعاناة . وإن كنت لا أعفيه هو شخصيا من تضخم هذه الروح التى يجوز توصيفها بالعدائية تجاهه، وتجاه مشاريعه الشعرية أو النقدية على السواء من فرط تحفزه وغموض توجهاته فى كثير من الأحيان، وغيرته على العامية بشكل قد يبدو متطرفا الأمر الذي أكسبه الكثير من العداوات.
 
 كثيرا كانت تؤرقه هذه الأجواء والتي كان يعتبرها السبب الأساسي وراء تأخر ظهور الإبداع الحقيقي والمبدعين الحقيقيين، وكثيرا ما كان يعترف لي وكأنه متهم، بأنه لم يجحف أحدا ، ولم يصارع من أجل أن يقول كلمته ، وأن معظم ما قاله فى نقد الآخر، كان هدفه الانتصار للشعر، وليس لأي اعتبارات خاصة أو شخصية، رغم إني واقعيا لم أكن أرى فيه سوى رجل مجتهد ومخلص للقضية التى يتعامل معها، فأنا في حد ذاتي كنت دليلا حاسما على ذلك، ومن خلال احتفال الرجل بشعري ومحاولاته لأن يرى هذا الشعر النور.   

    الظروف الحياتية عوارض استثنائية ولا شك ، فمهما تكلفنا بعض التوجهات، لكن تبقى حقيقتنا كشعراء نحمل فى ذاتنا معنى البراءة ، لذلك لن أنسى هذا اليوم الذي كان يبدو فيه كطفل فى غاية السعادة ، ومن خلال كلمة، اعتبرها هو دون أن يفصح جائزة معنوية كبيرة ولأنه يعرف صدقي معه، كانت سعادته بها كبيرة جدا .
فلم أكن أتخيل كم السعادة التى غطت ملامحه عندما التقينا ذات مساء عند مقهى قريب من منزله، وهو يسألني بلهجة التواضع الممزوج بالخجل : هل تعنى ما قلته فى تعليقك من إنني "عرّاب العامية المصرية" ؟
كان ردى بالإيجاب؛ حيث كنت اعتبره الشخص الوحيد من وجهة نظري الخاصة وحسبما رأيت من خلال عمري القصير في الساحة الأدبية السكندرية، إنه بالفعل الرجل الذي لا ينافسه أحد فى عشق العامية أو مدوّنة العامية كما كان يحب أن يُسميها دائما .

    كان اللافت للنظر بطول علاقتي به وخصوصا فى محيط الإسكندرية ثمة مشكلة مزدوجة فى نطاق التعامل الإنساني؛ فقيمته كباحث وناقد مُسلمات لا يمكن الطعن فيها، وقيمته كشاعر كانت من خلال وجهة نظرى الخاصة جدا أراه شاعرا حقيقيا ، بسيطا ، أعجبني دائما وإن كنت لم أشعر كثيرا برغبته فى أن يُدهش من يتلقى شعره؛ الدهشة عند قراءة شعره أو سماعه منه شخصيا ، وكنت أفسر هذا الانطباع بأن ليس هناك الكثير من الوقت الذي ينتظره؛ كي يُعيد بلّورة رؤيته الشعرية، ومع تلك الدراسة التى طالعناها معا والتي كُتبت عن شعره ، سألته يومها : ما المقصود ببرجماتية التجربة فى شعرك ؟
وكان رده وقتها : هو توصيف صحيح إلى حد كبير؛ أنا ناظم أكبر من كونى شاعر خلّاق ، واعترف فى هذا المنعطف أن إجابته كانت مفعمة بالصراحة المتطرفة، وأكد لي ظنوني وقتها بأن الرجل بالفعل، ينظر لعنصر الوقت بشيء من التوجس وخصوصا فى الفترة الأخيرة التى انشغل فيها بالعديد من الأمور التى باتت أكبر من شعر العامية ذاته، كونه حقيقته الأولى، فهو فى المقام الأول شاعر عامية، لكن البحث والتنظير والتوثيق والنقد كاد أن يقتل هذه الشاعرية فيه، الأمر الذي جعل من الكتابة عنده، وخصوصا في الفترة الأخيرة ضربا من ممارسة الحنين لشعر العامية. 

لكن، ظل البعد الإنساني أهم ما يؤرقني في شكل تعاملي معه، فبالضرورة كنت أحبه جدا ومتعاطفا معه، ومع مشاريعه بشكل كبير، للدرجة التى ذهبت فيها أكثر من مرة للشاعر والزجال الكبير " سعد بدوى" من أجل مجموعة دواوين لرواد الزجل السكندري من أجل ما يقوم به من بحث عنهم، لكن أزعم إنه بطول السنوات الخمس لم تتغير أيدلوجياته؛ هادئ وحذر ، لديه شعور كامل بالأمان، ولكنه دائما ما يفترض وجود حرب تنتظره فى الخارج، مطمئن لمحبتي له، ولكنه لا يتوانى فى وضع الاختبارات للتأكد من إخلاصي له، ولأني من هواة المصارحة والمكاشفة كان ضروريا أن أخبره بأنني من أولئك الذين يكرهون مثل هذه الأجواء، بل أن التعايش مع ظروف حياتنا بمثل هذه الروح شيء مُهلك لا محالة، والغريب إنه كان يقدم بعض المبررات التى أقبلها حينا ولا أستسيغها أحيانا، لكن كل ما كنت متأكدا منه فعلا ، أن الرجل شعر منذ اللحظة الأولى لدخوله للحياة الثقافية أو للدقة العودة لها، لأنه بالضرورة لم ينفصل عنها رغم سنوات الغياب الطويلة، بأنه غير مرغوب فى وجوده، واجه سوء ظن عارم فى مواجهة أستاذيته، واجه محاولات مستميتة لتقييم شعره تقييما مجحفا ، ولأسباب ربما لا يعرف معظمها، انسحب من هذا اللغط الكبير الذي مورس ضده، وأعاد اكتشاف مكتبته وكنوزها، وبدأ يكتب فى العامية وما حولها من تفاصيل سواء كانت دراسات نقدية أو كتابات توثيقية، كتابات كانت بالضرورة من أجل الشيء الوحيد الذي يحبه بضراوة " شعر العامية" ، وهنا ظهر الجزء الخفي من شخصية صابر فرج ، جزء لم أكن أدركه من بدايات علاقتنا معا، إن هذا الرجل لا ينهزم بسهولة، ورغم بشاعة الحياة وضراوتها لا يمكن لليأس أن يتسلل لنفسه مطلقا، فهو في الشعر والعامية تحديدا محارب ولا شك.

    ربما لا أدّعى الفهم الكامل للنمط الفريد لشخصية صابر فرج فى محتواه، فلسنا ملائكة حتما، لكن أزعم أن الرجل كانت بالفعل تنطوى سريرته على جملة سجايا، إن اجتمعت لإنسان فهو ولا شك إنسان حسن المعشر، كان كريما، وصاحب مروءة وعطاء ، وعنده وفاء نادر للذين أثروا فى حياته ولو تأثيرا بسيطا،  خفيف الظل وقادر بمهارة على خلق النكتة متى توفر له الجو المُحرض على التنكيت، وعلى الدرجة نفسها وقور، يحترم سنه بشكل متطرف، وينأى بنفسه عن الدخول فى سفسطات غير مجدية، وكان يرى فى بعض هذه النماذج التى تثرثر كثيرا نماذج مُعطلة، والرجل مولع بالنظام والقراءة و له أجندة كبيرة من المشروعات الأدبية التى يريد إنجازها .

أزعم أن مشكلة صابر فرج مع محيطه الثقافي وتحديدا فى الإسكندرية كانت بالضرورة أن يجد بدوره من يحبه ويقتنع بإخلاصه، وهذا الإحساس، وكي لا أحاكم الجميع ربما لم يشعر به صابر فرج، وحتى إن وُجد فبالضرورة كان منقوصا، أو مدعوما برغبات بعيدة عن التواصل الشخصي، بل وربما مشاعر تنطوى على أهداف نفعية فى الأساس، حتى في ظلال ظاهرة " شوكت عبد العزيز " تلك الصداقة التى تمت عن طريق الإنترنت، لم يسلم من العديد من الاتهامات إنه صاحب نفس الشخصية، رغم أن الخط الإنساني الذي ربط بينهما كان فى أساسه عشق الرجلين للعامية، وأشهد بحكم القرب منه وتحديدا فى هذه الفترة إنه واجه كم كبير من الظلم فى محاولة الربط بينه كقيمة أدبية كبيرة، وبين الرجل الذي يتهمونه فيه، فرغم كل آيات النفي التى أبداها صابر فرج ولكنه لم يُصدق، ولكنه استمر على صداقته بالرجل من منطلق صداقة حقيقية كان أساسها العامية عشق صابر فرج الأول والأخير، وحاول بجهد مخلص من أجل العامية أن يستثمر قلم صديقه لخدمة قضيته الأساسية لوضع ما كان يتمناه هو شخصيا من احتياجه لناقد عامية لا ينتمى للفصحى.
  
   اعتقد أن تجربة صابر فرج الإبداعية والإنسانية تجربة تمتلئ عن أخرها بالمتناقضات، تلك التناقضات التى تليق بشاعر، وتناقضات هذا العالم الذي وجدت فيه هذه الموهبة، ربما توارت سنوات لأسباب صادمة وقهرية، لكنها لم تمارس الغياب كنشاط إبداعي، كان بالضرورة كامنا فى نفسه، ينتظر الفرصة لتفجيره، لذلك كان من الطبيعي أن نرى سنوات عودته والتي كانت قليلة نسبيا عامرة بالعديد من الإنجازات وعلى كل مستويات الإبداع .

من جملة الانطباعات الجميلة التى احملها لهذا الرجل أن أستاذيته كانت ديمقراطية إلى درجة كبيرة ، تسمح لنا بأن نقول رأينا ويتقبله هو بسماحة شديدة وعن اقتناع لا يجعلنا نشعر إننا تجاوزنا عليه فى طرح وجهات نظرنا ، بعكس كل من قابلتهم غيره ، فليس مسموحا أن تقول وجهة نظرك متى تعارضت مع ما يقوله أساتذتنا ، وربما ليس مسموحا لنا أن نتكلم أصلا، وهذا لم نكن نجده مطلقا فى جلساتنا الطويلة مع صابر فرج .
كان مرنا إلى أقصى درجة، ومؤمنا بأن الشعر عموما إفراز لمجموعة ظروف خاصة بكل جيل يمارس فعل الكتابة ، لذلك لم نره أبدا يُصادر على طرح شعري يختلف مع أيدلوجياته الخاصة، ولم يختزل أي قصيدة يسمعها أو يقرأها فى مجرد شطرات لمجرد أن باقي القصيدة لا تنتمي لذاتيته في الرؤية ولا فى مجال رؤيته للنص بروح الناقد التى كانت تعتمل كثيرا فى نفسه عند قراءة الشعر أو سماعه .
وعلى الدرجة نفسها كان شعره تأكيدا لهذه المرونة، فلم يتوقف كما كان يقول دائما عند الطرح الستينى بتقنياته، ولكنه طوّر من أدواته ومن شكل رؤيته حتى لا تُتهم قصائده بالتقليدية، والثبات عند منعطف واحد .
ورغم إنه قد بدأ زجالا، لكنه كان مؤمنا بشكل متعصب بالتصنيف، فلقد كان يرى أن الزجل فن منفصل تماما عن شعر العامية، حتى وإن بدا الأخير مرحلة متطورة من الطرح الزجلي، ولكم واجه من خلال هذا الرأي العديد من الانتقادات من البعض الذي لم يكن مؤمنا بالتصنيف، لكنه كان واثقا من رأيه الذي لم يحد عنه حتى آخر لحظة من حياته.

   اعتقد أن ما تركه صابر فرج فى نفسي رغم أنها سنوات خمس تعتبر فى ميزان الزمن فترة قصيرة إلى درجة ، لكن ربما شكل التواصل الحميم ودرجة قربى منه قد جعلت هذا الرجل على المستوى الإنساني أبا وأخا وصديقا ، وعلى المستوى الشعري أستاذا، وكم ما تعلمته منه، وما عرفته عن العامية ، معرفة كانت تستوجب عشرات السنين لكي أعلمها من سواه، الأمر الذي سيجعل مسألة تجاوز ذكرى صابر فرج على المدى المنظور مسألة تقترب من الاستحالة.  

الاثنين، 20 أبريل 2015

أنا مش هنام دلوقت بين التوقع والرهان

أنا مش هنام دلوقت
بين التوقع والرهان

نعم، كنت أريد أن أخط كتابة تاريخية، يتذكرني من خلالها الشاعر وديوانه، ويأتي قادم الأيام؛ كي يقول الناس: لم يحدث أن قـُرأت العامية هكذا. لكن يا ربما في القراءة الثانية ويجوز الثالثة، بدت القصة أكبر من الكتابة، ولم ألحظ سر تورطي العفوي في إبداء دفوع تخص ما طالعته إجمالا. وليس من أجل توريط التجربة في اتهام لا تستحقه.
نعم ربما لا توجد قراءة بريئة للأدب. ومؤكد محبتي للرجل قد تدفعني دفعا لهذا. لذا لم أستطع صياغة مقدمة لهذه الإطلالة تعبر مبدئيا عن أمتناني للشاعر الذي وضع ثقته أن أدلو بدلوي حيال ديوانه الأول. والذي أتمنى مخلصا أن لا يكون الأخير. هذا من جهة، وفي ذات الوقت لم تأخذني الرغبة أن أدخل في تهويمات، ربما لن تضيف شيئا إلى ما قرأته هنا. لذا كان هذا الحوار....
*هل ترى مثلي أن شاعرية "محمد مخيمر" -على حد تعبيرك- أكبر من هذا الديوان؟

** لعلك تلاحظ أن العامية الآن تقف في منعطف مربك، وأقصد هنا الشعراء المعنيين بضرب النموذج والاختلاف، وقوف قد طال أمده. بين عامية يؤسس لها دعاة البساطة وأحيانا الاستسهال، وعامية أخرى تريد أن تحلق وتتجاوز، دون أن يفهم من حديثي أن الطقس إجمالا قد قُسم إلى ثلاثة أنماط:  العامية في ثوب العادي، العامية المثال التي تسعى لإدراك القصيدة الحلم، عامية الحل الوسط التي لا هي إلى هذه أو تلك.. لكن بطبيعة الحال قد أقف بعض الوقت عند هذا الثالوث لعلة في نفسي، فرضتها فرضا تجربة شاعرنا هنا.

*        وكأنك تريد أن تلمح أن ما طالعناه هنا هو الحل الوسط في خطاب العامية؟
         
** ليس بالصورة التي تقصدها ، لكن أزعم أن رصيد التجربة والموهبة، والامتلاك شبه الكامل للأدوات قد وقف حيال مواجيد الذات موقفا محايدا، بل يا ربما كان الديوان في واحدة من تجلياته يؤسس للحل الوسط في خطاب العامية، فلا هي إلى البساطة الفارهة، التي فرضتها آليات السوق إذا جاز التعبير، ولا هي على الضفة الأخرى صاغت القصيدة الحلم، بما تمتلكه من مقدرات.
بلا مواربة، لم تركن الشاعرية هنا لخبرتها وموهبتها؛ كي تصوغ نصا يتسق مع نفسها وعالمها بالكلية، في آلية أكبر من الوصف والانسلال الخجل لممارسة بعض التعرية والمحاكمة لواقعها وتفاصيله. وأزمة هذه الكتابة إنها تحرض الذائقة للأسئلة التي إن طُرحت تستهدف الذاتية وتحولاتها، إلى درجة قد تستفز الذائقة أن تحاكم.. إلى أي مدى كانت الغنائية في صالح الشعر ومعاييره الإنسانية، وهذا يقينا قد يطرحه أصحاب القراءات البريئة للأدب.

من غير تبرير
هتكمل بصة طويلة على البلكونة
وتكبت التنهيدة اللي ف صدرك
وتسيب أحلامك ع الترابيزة
وتقوم
من غير ما تخلص فنجان القهوة

* إننا لم نلحظ موقفا واضحا من العالم ولم نتبين الأزمة التي ينطوي عليها شعر الرجل؟

** ولِماذا الأزمة، أو التورط الطوعي في تنظير الواقع المعاش. تعال نطرح معطيات أو أسئلة افتراضية على هامش هذه الكتابة، أو نستنطق نوايا النص بعيدا عن إنتاج أحكام قيمة، لا الشعر يحتاجها، ولا النقد بقادر على صياغتها، على ضوء نشاط إبداعي، هو بالضرورة يحتفل بنسبية الرؤى المنبثقة من الذات، ويستفز كذلك آرائنا الانطباعية بدورها، والتي تحاول بلورة نفسها لِما يخدم عاميتنا.  فإذا عدنا لعنوان الديوان لأدركنا على سبيل الابتداء وفي تقرير جدير بالنظر " أنا مش هنام دلوقت" فلا توجد حمولة دلالية لهذا العنوان أكبر من الرغبة في السهر، أو على الأقل انعدام دافع النوم، إذن فالأجواء هنا ليلية بامتياز، وربما ذلك ما يفسر حضور مفردة(قهوة) بشكل لافت في قاموس هذه التجربة.
بالانتقال إلى ما يمكن تسميته خطاطة الكتابة، فلقد عبرت من خلال المقدمة عدة ومضات رائعة ومكثفة، ومن ثم تم الانتقال إلى تقسيم ثلاثي : هو(45 صفحة)  هي(28 صفحة)  الراوي(54 صفحة) وأزعم أن هذه الخطاطة قد تفض الاشتباك حال القراءة المتأنية لهذا الديوان، فلقد اتضحت معالمه منذ أول لقاء، كونه منبثقا من ذات عاشقة أو خطاب غزلي شفيف، يتوجه لهذه الـ هي، وإن لم يخلُ من بعض ما يميز خطاب الأزمة من مواجيد الفقد والحرمان أو عدم القدرة على التصريح والإبانة حيال هذه الـ هي.

* أرى نية لمجاملة الرجل؟!

** إننا لا نملك جسارة أن نصادر على ما أرادته الشاعرية حال انتخاب مواضيعها. فالرجل قد ذهب طوعا لخطاب عشق، يجيد التحرك فيه بمقدراته الشعرية في هذه اللحظة على الأقل. وإن كنت تلمح لذلك التقسيم الثلاثي الذي يبدأ من شاعر اتسق مع عالمه وكتب من خلاله وآخر تجاوزه من كم ما لاقاه من إحباطات، وأسس قصيدته الحلم، أو ذاك الذي أصر على تشويه الواقع وتفاصيله في خطاب شعري يغلب عليه معنى الكتابة الانتقامية. فما المانع أن نتجه بديوانه لمعنى الاتساق وكذلك التسامي فوق الأزمة بخطاب عاشق.

لو يفضل لي ف قلب الدنيا شوية مية
مش عاوزاهم
أنا هاشربهم جوة كفوفك
أنا عارفاك بتحب عيوني وبتعشقني
هتصدقني

لقد كنا نستطيع تفسير حضور السينما الرومانسية في منتصف التسعينات، كردة فعل متسقة مع ارتفاع معدلات سينما الجريمة والعنف والحركة والرعب. ومن سوء التأويل أن تكون الأزمة في خطاب العامية الآن هي كل ما يمكن أن يقال.  وليس مقبولا على الدرجة نفسها أن تتهم هذه الكتابة بأنها لقتل الوقت، أو تعبير عن رفاهية أو غياب اليقين المتحقق في أزمات الواقع، فهنا تهمة طاعنة ولا شك.

* إنه الدكتور والشاعر؟!

** لا لا ، لا يمكن قراءة منجز شعري استنادا للكوادر الوظيفية، ولاسيما أن الرجل على غلاف الديوان لم يأتِ اسمه مسبوقا بهذه (الدال) التي يحرص عليها الآخرون.
إن هذا السؤال على ضفاف شاعرية "محمد مخيمر" في المبتدأ وليس على ضفاف هذا الديوان، ورغم ما ينطوي عليه من طرافة لا مكان لها، لكنها قد تفجر سؤالا إشكاليا إذا كنت حريصا على الفهم. فربما لو طرح الرجل في ثنايا عاميته خطابا مأزوما لصادف أزمة تصديق لما يطرحه؛ استنادا لهذا الكادر الوظيفي. ولواجهته بسؤال لا يقل طرافة.. من أين تأتيه الأزمة؟ ومن يدريك، فالكثير من الشعراء يؤسسون لخطاب الأزمة ولكن منهم من يبتذل الأزمة ذاتها، في نصوص قد لا يتفق عليها في نهاية البحث والتأمل.

* لقد قلت إن هذا الديوان مشكل وإشكالي في آن. ماذا كنت تقصد؟

** لا أريد لحديثي معك أن يشوبه نوع من التناقض، فلقد بررت أو حاولت تأسيس أرض جديدة ومستحقة للخطاب الغزلي العاشق، ومبرراته الآنية في هذا الكم اللانهائي من الأزمات، وكأنه ردة فعل طبيعية. لكنه مشكل لنفس السبب تقريبا. أو لنفصل بين سؤالين على درجة من التباين. لماذا هذه الكتابة؟ ولماذا الآن؟ 

لماذا هذه الكتابة فلقد أفضت هنا إنها قد تكون ردة فعل للتسامي فوق مركبات الأزمة. بيد أن لماذا الآن.. فهذه من طبيعة الديوان كونه مشكلا. فمضمونه الرؤيوي على معايير اللحظة قد يكون نوعا من الجسارة. لن أحسبه قد تجرد من طبيعة الأزمة والحديث عنها، وانحرف واعيا أن لا يتورط فيها. لكن الواقع الآن لا يطرح نفسه كواقع مأزوم وحسب، لكنه يكشف عن تحولات يجوز توصيفها تاريخية. لذا سأحيلك إلى التهم الجاهزة والبريئة إذا جاز التعبير أن الديوان بلا موقف واضح من العالم أو بلا إشارات لعالم مواز تمثله القصيدة الحلم، لتهمة أخرى، عنصر الوقت فقط من يشير لمشروعيتها.. إن كتابة بهذه الروح قد تتبلور عند مستوى معين من الذائقة وكأنها كتابة فصامية. أو إذا شئنا الدقة انفصلت واعية أن تدلو بدلوها في مرحلة للصدق لا ينقصها السيولة. أستطيع أن أدافع هنا وأقول: إن سيولة الأوضاع لم تساعد الشاعر أن يبلور موقفا واضحا. لكن ما أريد أن أشير إليه على الدرجة نفسها. ولماذا ننتظر الكتابة متى تشكلت المفاهيم والتحولات، ولاسيما أن الشعر في قمة ذهنيته ليس معنيا بتنظير حاسم للواقع وما يستجد عليه.

هذا الديوان إشكالي لكثير من معطيات عدم الاتفاق، لا على الطريقة التي طرح الرجل بها مواجيده، ولا على الجو العام لقصائده، وللكثير من المعطيات الجاهزة التي تستطيع أن تحاكم على ضوءها التجربة كي تتهمها بهذه التهم على ضوء شيوع عامية الأزمة.

* وكأنك تشير لعامل السن دون تصريح؟        

** كيف تفهم هذا وعندنا تجربة"رامبو" التي توقفت دون العشرين، وتجربة الشابي الذي مات يقينا في الخامسة والعشرين. إن ذائقة شعر العامية لا تفكر بهذه الطريقة، واستجلاء موقف الشاعرية من العالم تقوله النصوص، وليس التجارب الكبرى إلا فيما ندر، بل وقد أذهب إلى أبعد من ذلك أن غياب المظلة النقدية عن شعر العامية وأطروحاتها، لم يؤسس ماهية البحث عن ذلك الموقف، إن هي إلا أحاديث يتداولها شعراء العامية أنفسهم في معرض تدارسهم لتجارب بعضهم البعض.

* إذن ما هي مثالب هذا الديوان. وكأنك قد رضيت بعد أن توارى الحديث كي يتحول إلى دفاع؟
** دعنا نتفق إنه لا كتابة بلا مثالب، لكن في بعض الأحيان محاولة الانتصار لعامية مختلفة، قد يعمينا عن بعض الأمور، ولاسيما حين نتورط في المصادرة على نوايا خالق الحالة الشعرية.

ملامحها إزاي تتشكل وأنت بعيد
وعيونك ليه ماخدتش الجومة ومسحت
طعم عيونها الفلوماستر من رسوماتك
لساك متعقد من خرم الشيش؟
وبتعمل دقة قلبك صامت

لا أريد هنا أن أطرح عليك سؤالا عبثيا ربما، من هو "محمد مخيمر" في يقين قراءه؟
هو يقينا شاعر العامية الذي تنازل طوعا عن بعض من منجزه بين دفتي ديوان. وفي الدائرة الأقرب هو من يؤسس جيلا من الشعراء من منطلق قيادته لورشة هدفها الشعر وإتقانه. المعنى الأول مؤكد لا يمكن الخلاف عليه. لكن للثاني تبعات، تستطيع حال معرفتك إنه بصدد نشر ديوان أن تذهب مع خيالاتك إن ستطالع العامية النموذج. لذلك ستتولد عندك قدرة متطرفة على عدم المغفرة لأي سقطة أو زلة، بل وستقرأ منجز الرجل عموما وأنت غير مسلح بالتسامح مع الخطأ متى وجد. 

إن هذا الشاهد وغيره كثير في الحقيقة، يجوز التعاطي معه كونه عامية بلا أخطاء. بل يوجد متون شعرية بذاتها قد تطرفت في الإجادة وتتسق مع ما هو معلوم يقينا عن شاعرية الرجل، ولا أحسب أن هناك من يملك جسارة أن يسلب الرجل شاعريته أو يقلل من مقدراته وملكاته. لكن من العدل أن نقول أو كما كنت دائما أتحايل؛ كي لا أقول رأيا سلبيا في منجز أي شاعر: إنه ورغم كل شيء تظل شاعرية محمد مخيمر الذي أعرفه أكبر بكثير من هذا الديوان. ولأسباب ربما لا تخو من طرافة وإن كانت تنطوي على موضوعية لها أنياب أحسبه سيقبلها.

اعترف إنني لم أكن أحلم بملاقاة العامية النموذج استنادا لشكل معرفتنا اليقينية بشاعرية الرجل. لكن ربما أخذني الأمل أن أجد تجريبا أو يكاد يجرد اللغة من دلالاتها الوظيفية، فلقد انتخب الرجل لغته من أكثر قواميس اللغة رهافة وبساطة، فلم نجد رموزا مستغلقة أو سياقات مشفرة تنتحل تهويمات لها ما يبررها. فخطاطة الديوان وهدفه ومنظوره التفاعلي مع خطاب العشق والغزل كانت الغطاء المرجعي لهذه اللغة، التي أصرت بضراوة أن تكون لغة إنجاز. وليست اللغة المعنية بمغادرة دلالتها المستقرة يقينا. وهذا الغطاء قد شكل بدوره مع ثبات نسبي للقاموس أن نجد ظواهر نصية لن أقول حريصة على ضرب النموذج أو مغادرة ما يمكن اعتباره نمطيا، بل كانت ظواهر متسقة مع الهدف الرئيس من الكتابة، وما استلزمه هذا من مفردات وسياقات لغوية وصلت إلى الحد الذي بدت فيه اللغة لا تنجز دلالتها المعجمية البسيطة بقدر ما كانت تجتر نفسها، والغريب لأداء نفس الدور في هذا النص أو ذاك. الأمر الذي أفرز مع القراءة المتأنية مفردات مفتاحية فالتسبيب عند الرجل بات أسيرا لـ (علشان) و(عشان) مراعاة للوزن. مع عدم الانتباه للتكرار، ولاسيما في النفي بـ ( مفيش/ مش).

حاولت جهدي في الحقيقة أن أبرر هذا استنادا لشاعرية الرجل، وجدت إن زاوية الرؤية للخطاب العاشق حتى في تحولاته من الـ (هو) إلى الـ (هي) ومن ثم الراوي. لم يشهد تحولات يجوز نعتها حدية في لغة الديوان، بل قد استعير هنا مصطلحا في نقد الرواية وأقول ثبات النبر. بل ولست أدري أين أنا من الحقيقة فلست متبحرا في علوم الأوزان. أن الشاعر هنا قد استند على بحور قد يجوز الاختلاف بين بينتها الإيقاعية ليس كبيرا. نعم يجوز أن تميل الشاعرية لإيقاع محدد، تحب طوعا أن تبث مواجيدها من خلاله. لكن ربما مع التقسيم الثلاثي الذي طالعناه. كنا نراهن على حدوث ثمة ما يشير للاختلاف ولو نسبيا.

* وكيف تتسق هذه اللغة مع ثبات الفكرة الرئيسية وتراهن على حدوث الاختلاف؟

** لأن الرهانات أصلا كبيرة والمتوقع ثري بالضرورة، فقد أغفر مرجعية الكتابة إذا توفرت نية تثبيت الهدف منها، لكن ما لا أغفره هو ثبات التعاطي. نعم هو شاعر ثري بالضرورة، ومن نافلة القول الحديث مجددا عن موهبته وملكاته، بيد أن ما تألمت له حقا أن يسلم ظهور قصائده لهذا الجلد، ومن خلال هذا التثبيت الذي أدي لما يمكن أن يكون اجترارا مع عدم التعالي على التكرار. الأمر الذي أدي إلى ظهور عناصر شاعريته دون تألقها المعهود. فالتناصات قد حضرت بدلالتها{ أنا باعشقك} ولم يتم التحايل عليها بأي حيلة تنجز مفارقة أكبر من حضورها{ أنت عمري} كان مجرد عنوان يا ربما شرحته القصيدة{ هنومة} الباب الحديد، كان هذا التناص محاولة للانفلات ربما اغتالها بعض غموض الإشارات، والتي جاء آخر النص بنجاح ليمنحها بعض المشروعية.

* وهل انعكس ذلك بدوره على التصوير؟

** تدري؟ إن هذا الملمح في ذلك الديوان هو إشكاليته الأكثر بروزا، شعرت في القراءة الثانية أن المسافة التي تقطعها الشاعرية لإنجاز خطابها العامي قد تبدو أطول، فحضور محمد مخيمر كشاعر فصحى على الدرجة نفسها كان يلقي بظلاله؛ ليكشف عن معاناة لن أقول معاناة خلق، بل من السهل أن ننعتها: اختلاف يقين المعالجة. ففي رأيي العامية كتابة يقين، بينما تظل الفصحى كتابة رؤية ورؤيا. تمنحك التصور الكلي للحياة وتأتي العامية كي تفتت هذه الكليات في سياقات شعرية أكثر قربا من الأرض.

نستطع القول إن الصورة الشعرية قد نأت بنفسها من مشكل الثبات النسبي الذي أسست له فكرة الديوان، ولغته.
متلخبط بين القطر العايم في محيط 
وسفينة بتجري على القضبان
في هذا الشاهد لا تملك الذائقة سوى أن تتمعن في اغتيال المنطقية التي حملها سطران من الشعر، كي يتجلى مفهوم المفارقة في أبهى صورة. هنا تغادر الصورة الشعرية مفهوم التصميم؛ كي تعرض نفسها كتجليات. لا ندري أي لاوعي هذا الذي يؤسسها هكذا.
{ كانت عينيه فوق الدموع متعكزة} { وبيمسح الشمس اللي بلت لحيته}{ قومي استعيذي م البنات/ واتوضي من حلم الهوى}.    

إن هذه الشواهد وغيرها كثير، بيد أن الأمر هنا بدا لي متفوقا أكثر على منحى العفوية والبكارة. هنا يقين شاعر الفصحى وليس شاعر العامية.

* هل يمكن اختزال ديوان في صورة شعرية مدهشة؟
** يمكن، ولاسيما أن هناك جانبا مفردا، دائما وأبدا يكون هو السمة الأبرز فيما يمكن تسميته الفاعلية الشعرية. لكنك تصر في وضوح أن تشير لشاعرية الرجل وكأنها لم تترك لنا خيارا. فالصورة الشعرية عنده وإن كانت متسقة مع كونه يجيد الفصحى في مضمار مختلف، لكن هذا لا يعني بأي حال تصنيف الملكات والمقدرات بين الفصحى والعامية، وإبراز أن هناك ثمة اختلافا، وكأن حظيرة الإبداع الشعري تختلف من حيث الأدوات هنا أو هناك. بيد أن العامية في هذا الديوان على الأقل كانت أكثر إقناعا حين تم عرضها مختزلة، ولعلك تلاحظ كم التشعير في الومضات إذا ما قورن بالنصوص الطويلة نسبيا. أو النصوص الطويلة التي تم ترقيم متونها. وربما أحيلك لقراءة هذا النص المعنون: قلبي.

إن التوازي الذي تبحث عنه كي تسم هذا الديوان بالمكتمل فنيا أو يكاد، سيكون هلاميا إلى درجة وليس للأسباب التي سقناه في بداية حديثنا، من كون خطابا عاشقا، بل في زعمي إنه بتنحية الجانب النفسي الذي يؤسس له يقيننا بالفرق بين: ديوان أول وكتابة أولى مؤكد لن يأتي في صالح الشاعر. هو يقينا ديوان أول، كنه ولاشك ليس كتابة أولى تمنحك أن تصوب ما يمكن أن يقال على الكتابة الأولى من مثالب، ففي هذا ظلم كبير للشاعر ومنجزه.

نعم تفوقت الصورة في كثير من متون الديوان على نفسها، وكانت أبرز العناصر الجمالية فيه، لم تؤسس على التراسل وتبديل الوظائف والأدوار فيما بين ما هو مادي ومعنوي وبالعكس، لكنها كانت تتألق في ضرب التوقع بمفارقات دالة لا ينقصها الإدهاش.

محفظتك
مليانة بأوراق وفلوس
لكن قلبي
( قاعد ويا الفكة)
جوة الدرج

* إذن هو ديوان جيد؟
** سيء الحظ النقد الأدبي أو ما يشبه الممارسة النقدية حين يتحدث عن ديوان وفقا لمعايير الإجادة، فالديوان قد خرج للناس فعلا. بل أستطيع أن أذهب معك إلى أبعد من ذلك. فيقينا – رأي شخصي- هو ديوان جيد فعلا. لكن تعال وبين يدينا منجز الرجل نسأل سؤالا أكثر عمقا. هل إنتاج ديوان جيد هو منتهى الطموح لشاعر في قيمة محمد مخيمر؟

قد أفقد موضوعيتي هنا وأقول: إن المتوقع من شاعرنا ديوان مؤثر ومختلف. ربما ظلم الرجل الطقس العام الذي تمارس فيه العامية. مؤكد تشكلات الذائقة التي تقف موقفا عدائيا من دعاة الاختلاف. تأسيس نص يغادر عناصر إشكاليات الكتابة الآن. أو عدم جاهزية الشعر لأن يعلن موقفه من العالم. وأشهد هنا إنني صادفت شعرا حقيقيا، وإن لم يأتِ على مستوى رهاناتي، وإن حاولت أن انتصر لك، ولمذهبك الذي تحبه وأورد هنا موقفا يرضيك.. سأقولها وبعيدا عن منجز الرجل: إن المبالغة في صياغة كتابة بلا أخطاء هي قمة الخطأ. والمواهب الشعرية الحقيقية ما كانت لتتسم بهذا الوسم إلا لكونها ضدا لكل ما هو عادي ونمطي وسلطوي أحيانا.     

الثلاثاء، 14 أبريل 2015

أصحاب الأحلام .. يموتون مرتين

أصحاب الأحلام ..  يموتون مرتين
..............................................
أزمتي مع هذا الجيل، كانت التأصيل، ولم أكن أجد غضاضة في إعلانها صريحة: إن غباء اليسار في زمن السيولة أن حوَّل البوصلة من يسار السلطة إلى يسار الله. وبدلا من أن يهبط إلى حيث المهمشين قضيته الكبرى، هبط إلى خطاب التماهي الساذج مع السلطة التي حددت منذ البداية الأعداء الحقيقيين لها.

لم تكن ملامحها تحمل نفس البهجة، متوترة، تشتكي لمن حسبته كبيرا، خلافا من جملة الخلافات المجانية الكثيرة التي تزخر بها الإسكندرية، في صراع الشعراء حول الوجود واللاوجود. كنت أعلق للتهدئة، رغم يقيني بخسران القضية كلها.

بعد ذلك، تدافعت عليها السنوات، بدت أكبر، رقيقة كالعادة، لكنها مُسهدة العينين، ممتلئة بالدخان وبعض ليل.
دلفت برشاقتها المعهودة من أحد أبواب القهوة التجارية، فوجئت إنها تتذكرني، عرجت عليا وسلمت وبحميمية أكبر من اللقاء الأول، والذي كنت فقط أسمع ما تبثه من شكوى للشاعر الكبير.

 على هامش تظاهرة مسرح بيرم التونسي يوم الاعتراض على وزير ثقافة الإخوان، وكنت مارا بالمكان، حيَّت السيدة التي كانت بالجوار، وحيتني بذات الروح، ورحنا في حديث أكبر.

بعد كلام كثير، بدت عليها بعض البشاشة حين عرجنا على "عبد الغفار شكر" والذي كان رأيي فيه إيجابيا نسبيا، فالرجل في يقيني لم يبع كراساته في المطلق على غرار "رفعت السعيد" واستثمر الوقت في تأصيل متمهل لقضايا اليسار، وعلاقته بالمجتمع في مناخ الاستبداد، وعلاقة تيارات الإسلام السياسي بالقاعدة الشعبية.

حزنت في هذا الحوار مرتين، وجدت حماسا لم يكن هناك ما يبرره من وجهة نظري، ولم أجد ما راهنت عليه. تتحدث من عناوين عريضة، وبالانتقال إلى مشكل التفعيل كنت أصدم في الرؤى التي لا تتناسب بأي حال مع تجربتها التي حسبتها أعمق وأطول. على الجانب الآخر أشفقت عليها إذ اعتقدت ساعتها إني يساري متخف، تريد مخلصة استعادتي للحظيرة من جديد، والحق فموقفي من اليسار لا يعني رفضا كاملا للأطروحة، لكن ما أعلنته لها: إن اليسار موجود، لكن لا يوجد يساريون، ثم انتقلنا للحديث عن أدوار بعض النخب، ومنهم يسري فودة في تدعيم التيار الذي تنتمي إليه، الأمر الذي أثار حفيظتي قليلا.

كانت في يقيني بعد هذا الحوار تؤكد انطباعاتي الأولى، فتاة بريئة وحالمة، تجسد حيرة جيلها، فهمت القصة من خواتيمها، ولم تنبش جذورها وبداياتها، وتلقت أفكارها في أسوأ فترة عاشها اليسار بطول تاريخه. يسار الفصاميين والدجالين، وليس يسار"محمد عباس فهمي" و"عيداروس القصير" وغيرهم. اليسار الذي دفع "أروى صالح" أن تكتب"المبتسرون" كي تفضح هذه النخب الضالة التي باعت حلم البسطاء في حظيرة الاستبداد، ومن ثم انتحرت بإلقاء نفسها من شرفة برج قاهري أنتجه الانفتاح السبعيني، منهية ذلك الجدال العنيف بين الحلم والواقع. 

مؤكد لم يكن عندي موقف واضح منها كشاعرة قصيدة نثر، بيد أن موتها أزعم أنه أهم قصيدة كتبتها على الإطلاق. 

الأربعاء، 8 أبريل 2015

بعد الفانتازيا بشارعين

لم يكن أحد يتخيل أن "براد بيت" و"إنجيلينا جولي" من الممكن أن يشاهدا في شوارع "بيفرلي هيلز" يركضان، وعلى ملامحهما كل هذا الرعب.
لم يكد الشيخ يصل حتى حديقة قصرهما المنيف، ويتحدث معهما نيابة عن الجهة التي أرسلته؛ كي يحدثهما عن الإسلام، في محاولة توازي ما تصطنعه الحركات التبشيرية للديانات الأخرى. حتى حدثت الكارثة.
ابتل السروال، وارتعشت لحية الرجل الكثة، وشعر برعب آخر، لو ظن الناس على قلتهم  إنه واحد ممن كانوا وراء تفجيرات سبتمبر المقدسة.

كان الدم يحن حقا وصدقا ويقينا، فلقد تصادف أن مصري كان يمر بالجوار، فاصطحبه مشكورا إلى بيته الصغير على أطراف الولاية في سيارته المتواضعة. وبطول الطريق والحوار عن هذه الجهة التي سعت لأن تبشر بالإسلام ولماذا الآن.

أندهش الشيخ، فربما يستطيع أن يبرر سلوك النجمين المباغت والجارح، لكن هذا المصري المسلم لِم ينقم عليه أن يبشر؟
قدم له الغداء، وتحسبا للسؤال التقليدي أقسم إنه حلال، والخنزير ومشتقاته لا يدخل هنا. وإن زجاجة البيرة المشبرة التي خرجت للتو من الثلاجة منزوعة الكحول.

كان المصري المغترب يراقب عن بعد الطريقة التي يأكل بها الشيخ، يأكل بنهم يكشف عن جوع طاعن. بيد أن تفاصيل جسده كانت تقول أن الرجل يرى في الأكل هوايته المحببة. ولأن المصري قد تأمْرَّك أو يكاد، تخلص سريعا من العبارات العاطفية التي تركها خلفه وسأله مباشرة أين أنت من جوعوا تصحوا؟ ولاسيما أن الكرش بأي حال لم يكن سُنة مؤكدة.

جدال عقيم وبلا أي فائدة كاد أن يدفع المصري أن يركض هو الآخر. لم يستطع للحظة أن يقنعه أن الإسلام موجود بالقوة والفعل، لكن المسلمين خارج الزمن. فلا الهيئة التي أتى بها إلى هنا ستسعفه. ولا المنقول عنا من أخبار كفيل بزحزحة الصورة الكاريكاتورية للعربي المسلم.

دافع الشيخ باستماتة، احتج بتنامي أعداد معتنقي الإسلام هنا، ولم يفهم  أن هذه الظاهرة مرجعها يأتي كتحريض مباشر يلمسه الأمريكيون من تسلط العالم وتحفزه لذلك الدين وأتباعه، تدعوهم أن يفكروا في أمره بعيدا عن هذه الأنماط البارعة في تشويهه. حتى أن جل المسلمين بالولادة ناجحون إلى درجة، فيهم صلاحيات الاستفزاز لأن يفكر الآخر حيال ما يعتقده هؤلاء. ناهيك عن أن هذه الصراعات المجانية بين أتباع الديانات السماوية قد حدت بالكثيرين هنا أن يكونوا لا دينيين. من الأجدر بك قبل أن تنهض لإنجاز هذا الهدف أن تضغط الزمن وتنجح في إدارة أوطانك. كي تثبت أن لديك مظلة عقدية تستحق التأمل.    

الاثنين، 13 أغسطس 2012

اللص والكلاب 2011


لم استطع الانفلات من غواية هذه القصة الطويلة على حد تعبير أنور المعداوي، حيث أنها شطحت في الزمن كرواية، ولكنها لم تألُ جهدا في اختزاله وتكثيفه كقصة، إنها اللص والكلاب، والتي لم أقرئها يوما على إنها التخريج الأدبي لقصة سفاح الإسكندرية محمود أمين سليمان. رغم اعتراف محفوظ أن مُحفزات القصة كانت بمطالعته للحادثة على صفحات الأهرام.

لست أدري يقينا، فلقد كانت المرة الأولى التي اهتدي فيها لمقولة فلسفية درسناها عن الجدلية، وإن كنت قد ذهبت لما هو أبعد منها للثنائيات الجدلية المعكوسة التي تؤسس انهيارا لشخوص، بذلت جهدا كبيرا لأن تبدو متوحدة مع قناعتها وأهدافها، لكن هيهات أن يحدث ذلك، فالفرق واضح بين المبدأ ووجهة النظر. بل ولمست فيها وعيا قد يبدو متطرفا حال قراءتها قراءة تفكيكية أو تكاد، فالشخصيتان المحوريتان يحملانِ لقبين قد تأسسا على المثنى، سعيد (مهران)، ورءوف (علوان)، وبسبر غور شخصية كل منهما نجد أن المسألة ربما خرجت عن الطوق، فلكل منهما ازدواجيته، وهما معا تجسيدا مؤلما لازدواجية الأيدولوجيا نفسها، أو بالأحرى صراع النظرية والتطبيق، إذا جاز لنا أن نسميه صراعا، فرءوف علوان الطالب الجامعي اليساري بدا في ثوب النظرية، العدالة الاجتماعية المفتقدة، في مواجهتها للرأسمالية المتوحشة، وانسحاق الإنسان، وهذه العبارات في حقيقة الأمر من السهل إدراكها في مفكرة أي يساري مخلص، بطول الأرض وعرضها.

سعيد مهران العامل البسيط الكادح(البوليتاريا) طموحات عريضة، وواقع ظالم لا يحقق الحد الأدنى منها. طابت نفسه لمقولات اليسار ممثلا في هذا الـ علوان، لكن تفاعلت دراميات حياته بما لم يكن منه بدٌ، وانتهى به الأمر كقاتل مُطارد، وعلى الضفة الأخرى من النهر، صار "علوان" صحفيا مرموقا، وفي وضع اجتماعي مختلف بالكلية عما كان، وقت كانت المفكرة حاضرة بقوة كيساري عتيد. والغريب أن محفوظ كان يكتب كي يؤسس مفهوم الجدلية كما يراها كدارس للفلسفة؛ لذا لم يغادر القصة قبل أن يمنحنا يقينه الخاص في علاقة النظرية بمنظومة السمات الشخصية لمعتنقيها، فمن السهل أن تتحدث عن اليسار ومشروعه بإخلاص نادر مادمت قد انتميت واقعيا للمعسكر المعني بالعدالة الاجتماعية كفكرة جوهرية في الأطروحة ذاتها، لكن مفاهيم الإزاحة والإقصاء حال تغير الوضع الاجتماعي، أو الصعود إلى حظيرة طبقة مغايرة{ البرجوازية}- مثلا-  يكشف إلى حد بعيد أن الأفكار من السهل أن تفقد معياريتها ما لم تُؤصل بإخلاص يشبه إخلاصك القديم لها، وقت كنت معنيا بتفاصيلها، وهنا تتبلور جدلية الإيمان بالفكرة ذاتها، بمعنى هل نحن يساريون لأن أطروحة اليسار نفسها مثالية إنسانية تبتغي عدالة اجتماعية مفقودة؟ أم إننا يساريون لأننا مع استسلامنا لمركبات القهر الطبقي، قد تولدت لدينا كراهية متطرفة لمعسكر الأغنياء؟

في حقيقة الأمر بدا محفوظ، وكأنه ينتج حكم قيمة حيال إجابة سؤالين من الممكن أن يكون النص قد طرحهما، لأن القصة لم تؤسس إشكاليتها على ضوء صراع حقيقي بين اليسار والرأسمالية يمكن رصده بوضوح داخل المتن السردي، وإنما صراع اليسار مع نفسه، بين الخطوط العريضة للمُفكرة، والواقع المعني بها، لذا من المكن رصد صراع كاره ممتعض بين ممثل النظرية، ومن آمن بها واتبعها، حال تغيرت المعطيات التي كانت تبلور الإيمان بها في وقت سابق، لذا لم يتسامح أو يتعاطف "علوان" مع ما آلت له ظروف "مهران"، بل وفي إشارة عبقرية لهذه الازدواجية أو الفصام في الحقيقة، يشير"رءوف علوان" أن "سعيد" قد أخطأ عندما رأى فيه شبها ممن كان يتحدث عنهم في الماضي كممثلين للرأسمالية المستفزة الظالمة. بل أن عودته بقصد سرقته، لم تكن لتحقيق العدالة المفتقدة التي علمه إياها، وإنما حقد واضح على الرجل في مرحلته الجديدة.

ربما لم يشر"محفوظ" بوضوح لمؤشرات يمكن اعتبارها استشرافا لسقوط مفكرة اليسار أو اضمحلالها، وإنما الصدق يحتم علينا الاعتراف أن الرجل يشير بطرف خفي لآفة هذه المفكرة إذا لم يتم تأصيلها بعيدا عن مؤثرات السمات الشخصية للمتحدثين باسمها، أو تحصينها ضد التحولات، فالطبيعة المثالية التجريدية للأفكار لا تتسق بأي حال مع أي مركب لعوار نفسي أو اهتزاز رؤيوي، وألا فقدت الأفكار طبيعتها المعيارية كأدوات للضبط التنظيري من جهة، وفقدت فاعليتها مجتمعيا، وبالتالي ولاء المنتمين لها من جهة أخرى.

في اقتحام "سعيد مهران" للحضرة الشريفة، وجلسة الذكر في طريق هروبه من الشرطة التي تتعقبه، ولجوءه للشيخ، لجوء الباحث عن نجاة من تفاصيل ظالمة، كان الصراع حديا جدا، لحديث لا يضبط إيقاعه إلا دخان البخور المتصاعد، الذي لا يثبت جلال الذكر، بقدر ما يثبت أن الدين أفيون الشعوب حتى في ظل هذه الظروف الفارقة، التي تبحث للرجل عن نجاة الآن، وليست النجاة المؤجلة التي تدعوه للسماء مباشرة، والشرطة على بعد أنفاس من "سعيد".

أحيانا أصاب بعارض كراهية، إزاء كاتب يلجأ لبعض الحيل الأدبية التي تثبت فكرته، من فرط خوفه من أن لا تصل للقارئ كما يريد لها أن تصل. مصادرة مبدئية -ربما- على عدم فهمنا لنواياه. لذا كنت اعتقد في كثير من الأحيان أن مشهد الحضرة، وشيخ الطريقة كانا للتأكيد على معنى يدخل ضمن أطروحة اليسار، ولاسيما في تخريجاته الماركسية. وهنا أعني الدين الأفيون، والغريب أن اليسار المصري تحديدا قد مر بمنعطفات مهمة وفارقة، لكن يظل السمت الأبرز والأكثر ثباتا، لن أقول ضدية حاسمة للدين، بقدر ما هو عدم ثقة في كون الدين صالحا لأن يكون مكونا أيدلوجيا. وأذكر على سبيل الجملة الاعتراضية أن سألت أخي شوكت- رحمه الله-  مباشرة كونه يساريا.. هل أنت كافر؟ وكنت وقتها أبني مواقفي على تعليقات صديقه المقرب(ح.م) الذي كان كثيرا ما ينزلق لتأويلات مستفزة لا تستثني أي مقدس، ويومها قال لي: أنا مختلف، ولا ينبغي لي قبول الأفكار بشهادة المنشأ. وهذه أزمتي الكبرى مع (ح.م) وغيره.

إن شواهد اللص والكلاب وما انطوت عليه من ظواهر نصية دالة، قد تضرب حال قراءتها الآن الكثير من الأنساق المعرفية والأيدلوجية، قد يراها البعض نبوءة، أو إشارة لأزمة يسار قد طال أمدها، فللصدق، فإن اليسار لم يؤصل نفسه منذ فترة، ربما لأسباب يُسأل عنها اليساريون أنفسهم، وكذلك لما لمسناه في ثنايا الطقس العام الذي أحاط بكل الاتجاهات الفكرية عموما، ولاسيما في أزمنة السيولة خصوصا في الثلاثين سنة الأخيرة.  لكن تظل عبقريتها أن هذه الجدليات الثنائية مازالت مطروحة بامتياز، بل واتخذت أشكالا أكثر ثراءً وضبابية في آن. ولأن الأزمة في جوهرها تأصيل، فلا أقل من الانصياع خلف السؤال.. هل نحن في زمن الأيدولوجيا؟

بطبيعة الحال لا ينبغي للمرء وخصوصا في هذه الفترة أن ينتج حكم قيمة، ولا أن يؤسس الفكرة، وإنما يؤسس علاقته بها، لأن الأفكار مع تطاول الزمن قد تنتحل سمت الحقائق التراثية، فمؤكد قد مات ماركس، ولكن الجدلية نفسها لم تمت، إذن فجمود فعل التأصيل قد انسحب ظلما على المشروع اليساري وغيره من المشاريع الأخرى، وبظلم متعمد من الذين كان لزاما أن يؤصلوه، بل حتى مع التسليم بحدوث شذرات عابرة من تأصيل، فلقد جاءت من حظيرة هي بالضرورة خارج المشروع نفسه، بمعنى أن الرأسمالي قد سلخ من اليسار ما يخفف به توحشه، واليسار بدوره قد وضع حدا لرفضه القديم للاقتصاد الحر إجمالا، شريطة الحفاظ على مفاهيم العدالة، وحقوق الإنسان. وهذا في حد ذاته إما أنه إقرار باستحالة التطوير من الداخل، أو اعتراف بتماهي الأيدلوجيات في بعضها البعض، في إطار عملية تجميع لتراث فكري إنساني بالأساس، بغض النظر عن هذه التقسيمات الاصطلاحية. لكن حتى هذا المعنى في الحظيرة العربية لا أراه متحققا بوضوح، لأن بغياب فعل التأصيل لا نغتال علاقتنا بالمشروع الواحد وحسب، وإنما نقوم بتعطيل الرغبات المُخلصة لتلمُس المشتركات الفكرية بين المشاريع المختلفة.

إن "رءوف علوان" ربما سقط في مغبة إنتاج حكم قيمة شوَّه من خلاله الأغنياء إجمالا في يقين "سعيد مهران"، بالشكل الذي ارتبط عند الأخير بكونهم ظالمين، أو مستهدفين من مفكرة الأول، لذا لم يستطع أن يغفر ثراء "علوان" بعد ذلك، وربطه بمعايير الكفاءة والكفاح كمعنيين مُعطلين. وهذا المعنى وإن انطوى على تخريج أحادي للنظرة، ولكنه يؤسس لقطبية المجتمع، الذي قد يعاني تشرذما معينا من فرط عدم قبول فكرة الاستثناء في المعسكر المواجه للطرح اليساري نفسه، والذي قد تكون مكونات الثروة فيه، ليست غالبا على جثث الكادحين ممن هم على شاكلة "مهران"، و"علوان" قبل الطفرة. فلا يمكن على سبيل المثال وهذا المعنى جدا خطير، أن ننسى "توليستوي" والذي طبق الشيوعية من قبل أن توجد، وفي إطار جدلية عكسية ليست مهتمة بانتزاع الحقوق بقدر ما تهتم بإعادة الحقوق لأصحابها من وجهة نظره. لذا فإن منظومة السمات الشخصية هي التي تحدد يقينا قيمة الأفكار المتبناة، الأمر الذي قد يخلق مقارنة ربما لم يسع واحد من أطرافها لأن يعقدها. ترى من أكثر فاعلية: شيوعية تولستوي أم شيوعية ماركس؟ وخصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن تولستوي يناضل للفقراء، وماركس يناضل بالفقراء، وهنا مكمن الجدلية، التي لا تقل بأي حال عن أي جدلية فكرية لا تتسق مع الحد الأدنى من أهدافها.

إن الرهان على الآخرة يحمل ضمنيا إقرارا بأن هناك ثمة ارتباكا رؤيويا حيال المشروع الإسلامي كأداة فاعلة لتنظيم الطرف المضاد لفكرة الآخرة ذاتها، وهنا أعني الحياة الدنيا نفسها، لذا فمحركات الجدلية الإسلامية هي الدنيا والآخرة بامتياز، فإما إنك مؤمن بضرورة أن ينظم الإسلام الحياة، وبنجاح كي يستحق الالتحاق بالآخرة، أو إننا نعيش مجرد مقدمات لا فائدة منها؛ كي ندرك آخرتنا في النهاية.
إن فرضية هذا السؤال هل أنت يساري لأنك- فرضا- تكره الأغنياء، وسلفيا لأنك يقينا لست مشغولا بالدنيا، مسألة مربكة فعلا. لأن هذا المعنى في حظيرة الإسلام، ربما لا يؤذيه كأطروحة يصر أصحاب المشروع الإسلامي على أحقيتها لإدارة أزمات الواقع، وإنما يضر جوهر الدعوة نفسها، وكأنك غير معني باكتساب أتباع جدد، أو النضال كي تثبت بلاغة التأثير، وهنا تتساوى حركتك وفاعليتك مع يقين اليهود في انغلاق دينهم عليهم، ومن ثم يسقط يقين المسئولية المتجه لإبلاغ الناس عن الله.

إن الذين أطلقوا البخور كي يذكروا الله في خلوتهم يطلبون مددا وغوثا يخاطب أي زمن؟ اللحظة المعيشة، أم لحظة لقاء الله للحساب؟ وآليات دفع الظلم الحادث على الأرض لو ظلت مؤجلة إلى حيث نلتقي بالعناية وجها لوجه، ربما تؤسس لنظرة تجعل من الحياة مرحلة بالغة القتام. بل قد تغري ضعاف الإيمان بالاعتقاد أن الله قد خلق العالم وتخلى عنه، مما يضر أصلا بفكرة القيومية التي هي جزء أصيل من مفردات قدرته.

إن نجيب محفوظ ربما لا يريد الطعن في تابوه مقدس، بشكل قد يغري بأنه يقينا يعتقد كما يعتقد الماركسيون أن الدين بالفعل أفيون، لكن ربما يسأل عن إيجابية رجل الدين حال تعرض لموقف يستلزم أن يدلي بدلوه في مسألة دنيوية للنخاع، فلأي سماء سيلجأ رجل لا يفصله شيء عن الشرطي الذي يطارده. بل يمكن الربط هنا بين الشيخ و"عليش" الذي خان "سعيد مهران" فـ "عليش" اسم قد يبدو بلا معنى، لذا ظل خارج إطار أي نسق ثقافي أو فكري، ولا علاقة له بالأطر الفكرية التي تضمنتها القصة، والشيخ بصوفيته خارج إطار الزمن، وهنا قد يكون علوان ومهران نفسيهما في أرجوحة بين الواقع الأرضي الذي لا يحوي سوى اللص والكلاب، والسماء التي يختبأ فيها الشيخ. والسؤال.. من يستطيع ضبط هذه المسافات المرتبكة؟

إن الرأسمالية هي النظام الأكثر فطرية في الحقيقة، والمتسق مع كون الناس مختلفين في المواهب والمقدرات، والشيوعية وافد جديد يريد إعادة توزيع الثروة وفق قواعد العدل، فمن سينتصر: النوازع الفطرية للتملك وإحراز الثروة، أم الصدام المحتمل من وافد يريد تحقيق عدل باهظ التكاليف؟ ولو سلمنا يقينا بانطواء المشروع اليساري على ما يؤيد مثاليته، فلِم يعاني أزمة وجود في يقين أصحابه، وفي إشكالية تفاعلاته المجتمعية كمشروع إنساني بامتياز. وعلى الضفة الأخرى من النهر من المسئول عن تجميد الإسلام بالشكل الذي يجعل من مسألة إدارته لأزمات المجتمع قد تبدو كفكرة عبثية، وكأنه غير معني أصلا بهذه المسألة. إن هذه القصة إذا لم تكن تشير تصريحا بانسحاب الأيدولوجيا وتراجعها، فإنها حتما تشير لعوار النظريات، فلا يمكن لليسار أن يُختزل هذا الاختزال المجحف كي يصبح طرحا مضادا لطموح الأغنياء، والإسلام كمشروع لن يكون بأي حال ممارسات طقوسية تمهد الناس للالتحاق بالآخرة بلا منغصات. وإن حدث ذلك؛ فعلى الجميع أن يعترف بخروجه من التاريخ طوعا أو كرها.      
                     

الثلاثاء، 3 يوليو 2012

منديل عطيل2011



منديل عطيل 2011



مستحيل، خبرٌ كاذب، الجزيرة عودتنا صب الزيت على النار. فضائية أخرى ربما أوقفتْ القدر.. سأنهار، سأموتُ حتما إن غادرنا المُلهم هاربا.

ولِم ، ومِمن؟

البلاد والعباد والهواء خواتم في أصبعه. الجنرال ليس بهذا الضعف، القصة لم تكن بهذه الهشاشة.

بالأمس كان غريبا، إيقاع أنفاسه، ملامحه، عباراته المرتبكة.. يا ألهي. القسوة تتلعثم ؟!

الطقس مختلف، ديجول وتاريخه كانا على المحك، وليست فرنسا كلها.. ألا تفهم؟

فهمتنا، والبلاد كلها تنفجر غضبا؟

فهمتنا؟؟

شابٌ بائسٌ يحرق نفسه، فيحرق مرحلة بأسرها. من أين تأتي أزمة الفهم إذن؟

لم يخبروك الحقيقة؟!

كذبٌ صراح ورب الكعبة، نكتة ليس هذا وقتها، أنا ورفاق الدنس كنا الدليل أن الحقيقة تصلك طازجة برائحة البحر.

والآن، التلفاز يتآمر على إيماني بك، يسخر مني، والشاشات تسدد رصاصات الصدمة في كل الجسد.

زوجتي البلهاء مبتهجة، تراقب ذاك الصعود الدرامي المثير، تتمتم بصوت أسمعه، بمكر أعرفه.. لو أن طائرة الجنرال تتسع، لربما كنتَ معه.
نافقت معتقداتي فيك، اشترينا أعلامك، ووقفنا معا نترقب مرورك، ترفرف، ونرفرف معها صارخين فيك، نستجديك لأن تظل لنهاية الأبد، إن كان للأبد من نهاية.

لا؛ إن هو ألا عارض، الجنرال لا يهرب، هو أكبر من هذه اللحظات، كان أكبر من التعاطف مع الرجل الرمز، الطاعن في العمر، فعلها وكأنه يقلم أظافره.

هي السخرية، كيف أمر الآن على ذاكرة زملاء العمل؟

كانت الوظيفة أكبر مني، جاءت بتقاريري المخلصة لزبانيتك. ضحيتُ بالكثير من أجلها.. ضحيتُ؟

يا لشقائي وبؤسي!!

رتبت الوشايات، رفعت التقارير في الأصدقاء والأعداء، تلذذت برعبهم، فشلهم العتيد لأن يحصلوا على حد أدنى من حياة، لم أبذل قطعة حلوى لطفل لم يرِ أباه، جاء للدنيا وأبوه معتقل ولا يعرف أني السبب. ولم أمنع نفسي من مغازلة زوجته كحيوان كريه.

كنتُ مُخدرا، أشاهد المتعطلين في جل المقاهي، ضحايا العوز، والدموع المتيبسة في كل العيون، ابتسامات غادرت الوجوه الشاحبة إلى غير رجعة، الأمهات المدججات بالقهر، لكم سحلوا من أولاد، قتلوهم في حوادث أكثر غموضا من القدر.

لا.. لم أكن مُخدرا، كنتُ قذرا ورخيصا، منزوع الإنسانية وجبانا.. أنا العار له قدمان، الوجه المؤبلس الوحيد في هذا الحي، كيف سأواجه أهله وأنا القاتل؟

احتاج قهوة تعيد لي الاتزان يا امرأة.

التلفاز الحقير مازال مستمرا في قتلي يا جنرال، ولم يعد لي من أمل ألا في موت عاجل كأخبار الجزيرة، أو لينقطع التيار وتتوقف المهزلة.


ماذا فعل الله ببلال فضل؟

  في المبتدأ لن أميل لكون ما سأكتبه نقدا أو مراجعة، أو حتى رأي انطباعي، رغم الاعتراف بوجود الغواية الكافية؛ كي أتصدى لقراءة الرجل وأنا مُحمل...